363

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

الناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٠٢ هجري

مكان النشر

دمشق

تصانيف
الحنابلة
الامبراطوريات
العثمانيون
شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِقَضَائِهِ ... وَلَا نَرْتَضِي الْمَقْضِيَّ لِأَقْبَحِ خِلْقَةِ
وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِإِضَافَةٍ ... إِلَيْهِ وَمَا فِينَا فَنَلْقَى بِسُخْطَةِ
فَنَرْضَى مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَلَقَهُ ... وَنَسْخَطُ مِنْ وَجْهِ اكْتِسَابٍ بِحِيلَةِ
قَالَ الطَّوْفِيُّ فِي شَرْحِ التَّائِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ: الثَّالِثُ قَوْلُ مَنْ قَالَ نَرْضَى بِالْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ تَقْدِيرُهُ، وَلَا نَرْضَى بِالْمَقْضِيِّ الَّذِي هُوَ أَفْعَالُنَا الْقَبِيحَةُ، قَالَ: وَبِهَذَا أَجَابَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ الْكُفْرُ بِقَضَاءِ اللَّهِ لَوَجَبَ الرِّضَا بِهِ ; لَأَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَلَكِنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، فَلَا يَكُونُ بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى -. فَأَجَابَهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ. قَالَ: الرَّابِعُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَرْضَى بِالْمَقْضِيِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ وَمُرَادُهُ، وَنَسْخَطُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكْتَسَبٌ لَنَا، وَهَذَا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ إِلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْهَا، قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْجَبْرُ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ صَاحِبُهُ التَّخَلُّصَ مِنْ هَذَا الْمَقَامِ الضَّيِّقِ، وَالْقَدَرِيُّ أَقْرَبُ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ مِنَ الْجَبْرِيِّ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ الْمُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ هُمْ أَسْعَدُ بِالتَّخَلُّصِ مِنْهُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ مِنَ السَّعَادَةِ كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ ﷿، وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سُخْطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ» " فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَالسُّخْطُ عَلَى الْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أُمَّ الدَّرْدَاءِ ﵂ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ الرَّاضِينَ بِقَضَاءِ اللَّهِ الَّذِي مَا قَضَى اللَّهُ لَهُمْ رَضُوا بِهِ، لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مَنَازِلُ يَغْبِطُهُمْ بِهَا الشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَقَدْ رَآهُ كَئِيبًا حَزِينًا لِقَتْلِ ابْنَيْهِ وَفَقْءِ عَيْنِهِ: " يَا عُدَيُّ مَنْ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّهِ حَبِطَ عَمَلُهُ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

1 / 363