لوامع الأنوار
[نبذة من الشافي في تعلق العلم بالمعلومات ورد شبهة الجبرية]
هذا، وقال الإمام (ع): وأما قوله أي فقيه الخارقة في جواب صاحب الرسالة أي الشيخ محيي الدين : إن الواحد منا لو كان قادرا على خلاف الواقع، أن علم الله ينقلب جهلا.
ثم قال بعده: وهذا باب الكفر يقرعه.
انتهى كلام الفقيه.
فالجواب: أن القول بأن العبد يقدر على خلاف ما علم وقوعه، لايقلب العلم جهلا؛ لأن ما علم الله بأنه يقع، فإنه يقع لامحالة من حيث اختاره القادر عليه، لامن قبل أن الله تعالى علمه، وما علم الله أنه لايقع، فإنه لايقع؛ لأن القادر لم يختر إيجاده، لا لأنه تعالى لم يعلم وقوعه.
قلت: وهذا معنى قول أهل العدل: إن العلم تابع للمعلوم، وسابق غير سائق أي أن الله تعالى علم أن الأمر سيقع لأنه سيقع؛ لا أنه سيقع لأن الله تعالى علمه فلا يخرج بذلك عن كونه مقدورا.
والعلم إنما يقع على الشيء على ماهو به، ولا تأثير له في الوقوع ولا عدمه.
قال الإمام صلوات الله عليه : والعبد قادر في الحالين؛ فما في هذا مما يقلب العلم جهلا؟
فإن أراد الفقيه أنا لو قدرنا وقوعه لانقلب العلم جهلا، كان هذا سؤالا غير ماسطره الفقيه، وكان الجواب عنه أن التقدير في هذا الباب لايكشف عما يكشف عنه التحقيق؛ لأن وقوع ما علم أنه لايقع، يقدح في العلم بأنه لايقع، والقدرة على ما علم أنه لايقع، لاتقدح في ذلك؛ وإنما يكشف عن حالة القادر، وهو أنه يقدر على ما وقع منه، وما يمكنه أن يوقعه.
على أن هذا لو لزم في القادر من العباد، للزم في الباري تعالى؛ لأنه يقال للسائل: ما تقول؟ هل الله قادر على ماعلم أنه لايكون أم لا؟
فإن قال: لا، قرع باب الكفر، الذي ذكره الفقيه حقا.
وإن قال: بل هو سبحانه قادر على ماكان، وما سيكون، وما لايكون لو أراد أن يكون.
قيل له: فهل هو قادر على تجهيل نفسه، أو قادر على أن يقلب العلم جهلا؟
فإن قال: لايجب ذلك؛ لأن التجهيل إنما يلزم بالوقوع، دون تقدير الوقوع.
قيل له: فارض منا بمثله في فعل العبد.
ولأنه متى شرع في التقدير، أتبعنا التقدير تقديرا آخر؛ فمتى قال:/506 لو فعل؛ قلنا: كان في علمه أنه يفعل.
صفحة ٥٠٦