لوامع الأنوار
إلى قوله: ولم يقل أحد قط: إني أحق بهذا الأمر من أبي بكر؛ ولا قاله أحد في أحد بعينه: إن فلانا أحق بهذا الأمر من أبي بكر، وإنما قاله من فيه أثر جاهلية، عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية؛ لأن العرب في جاهليتها تقدم أهل بيت الرؤساء؛ وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي؛ بل كان العباس بحكم رأيه أولى من علي؛ وإن قدر أنه رجح عليا بأن يقول: الإسلام يقدم الإيمان والتقوى على النسب، فأراد أن يجمع بين حكم الجاهلية والإسلام، فأما /178 الذين كانوا يحكمون بحكم الإسلام المحض، وهو الإيمان والتقوى، فلم يختلف منهم اثنان في أبي بكر..إلخ.
أقول وبالله التوفيق: إعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الكتاب قد امتلأ بالافتراءات، وإنكار المعلومات، ورد الضروريات؛ ولا بأس بلفت نظر الناظر إلى بعض من ذلك؛ ليعرف ذوو الألباب إلى أي مبلغ بلغ في هذا الباب.
فأولا، قوله: فلما تبين لهم أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة.
يقال: وهل كان الأمر في قريش، الذين هم قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثر جاهلية عربية أو فارسية؟؛ أم لايكون أثر جاهلية أو فارسية إلا إذا كان في أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خاصة؟!.
فعلى هذا، يجب العمل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الأئمة من قريش)) بشرط أن لايكون في علي أو في بني هاشم.
ثم يقال له: ماذا تصنع بقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وآله: {ومن ذريتي } [البقرة:124]، أي واجعل من ذريتي أئمة . أيكون ذلك أثر جاهلية أو فارسية؟ وكذا قول الله سبحانه: {فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما (54)} [النساء]، أيكون ذلك أثر جاهلية أو فارسية؟ أم لايكون أثر جاهلية أو فارسية إلا إذا كان في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم !؟
ثم انظر إلى ماكرره في هذا البحث، من الإنكار والجحد للمعلوم ضرورة وبإجماع المسلمين، وبرواية الصحاح وغيرها، أن عليا، والعباس، وجميع بني هاشم، والزبير بن العوام، وغيرهم من سادات المهاجرين والأنصار، قالوا: إن عليا (ع ) أحق بهذا الأمر.
وقد روى البخاري ومسلم أن عليا لم يبايع أبا بكر ولا أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة عليها السلام .
وهل يكون في هؤلاء أثر جاهلية أو فارسية؟!.
وانظر إلى قوله: وإن قدر أنه رجح عليا بأن يقول: الإسلام يقدم الإيمان والتقوى على النسب؛ فأراد أن يجمع بين حكم الجاهلية والإسلام..إلخ.
ففيه التصريح بأن تقديم علي (ع) لأجل الإيمان والتقوى جمع بين حكم الجاهلية والإسلام لأجل نسبه.
صفحة ١٧٩