فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الأَْمْوَال وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَكُل مَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُقْبَل كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْمَال وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَال، كَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ، وَلاَ يُقْبَل فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى. وَهَل يُقْبَل فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، مِثْل الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالْخُلْعِ وَالنَّسَبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنْ قِيل: إِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يُقْبَل فِيهِ، وَإِنْ قِيل: إِنَّهُ حَقُّ الآْدَمِيِّ، فَهُوَ كَالْقِصَاصِ.
وَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلاَتٌ وَشُرُوطٌ:
فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ مَسَافَةُ قَصْرٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَكْتُوبُ بِهِ حُكْمًا أَمْ شَهَادَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْمَسَافَةَ فِي الْكِتَابَةِ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْحُكْمِ.
وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْكَاتِبِ وَالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ عَلَى وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ حِينَ الْكِتَابَةِ وَحِينَ الْحُكْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ عَلَى الْوِلاَيَةِ حِينَ الْكِتَابَةِ فَقَطْ.
وَمِثْل كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِيَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَدِّي أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ مُشَافَهَةً. (١)
(١) ابن عابدين ٤ / ٥٤٤، والخرشي ٥ / ١٧٠ ط العامرة ونهاية المحتاج ٨ / ٢٥٩ ط الإسلامية، والمغني ١١ / ٤٦٧ وما بعدها، والبدائع ٧ / ٧، ومعين الحكام ١٤٦، والرهوني على الزرقاني ٧ / ٣٤٤ ط أولى، وأسنى المطالب ٤ / ٣١٨ ط الميمنية
وَكُل مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي مِنْ شُرُوطٍ وَغَيْرِهَا إِجْرَاءَاتٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمَانِ وَالأَْعْرَافِ. وَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ الْقَوَاعِدَ وَالشُّرُوطَ بِحَسَبِ مَا رَأَوْهُ مُنَاسِبًا فِي أَزْمِنَتِهِمْ. وَقِوَامُ الأَْمْرِ فِي ذَلِكَ هُوَ الاِسْتِيثَاقُ مِنْ أَنَّ الْمَكْتُوبَ صَادِرٌ مِنْ قَاضٍ مُخْتَصٍّ بِكِتَابَةِ مَا كَتَبَ.
وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الإِْجْرَاءَاتُ وَالأَْعْرَافُ وَتَضَمَّنَتْ قَوَانِينُ الْمُرَافَعَاتِ فِي الْعُصُورِ الْحَدِيثَةِ إِجْرَاءَاتٍ تَعُودُ كُلُّهَا إِلَى الضَّبْطِ وَالاِسْتِيثَاقِ، وَلاَ تُنَافِي نَصًّا وَلاَ حُكْمًا فِقْهِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ بَأْسَ مِنْ تَطْبِيقِهَا وَالْعَمَل بِهَا.
حُجِّيَّةُ الْخَطِّ وَالْخَتْمِ:
٣٤ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعْمَل بِالْخَطِّ إِذَا وُثِقَ بِهِ وَلَمْ تُوجَدْ فِيهِ رِيبَةٌ مِنْ مَحْوٍ أَوْ كَشْطٍ أَوْ تَغْيِيرٍ، وَذَلِكَ فِي الأَْمْوَال وَمَا يُشْبِهُهَا مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، كَالطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ. وَهَذَا فِي الْمُعَامَلاَتِ بَيْنَ النَّاسِ.
أَمَّا مَا يَجِدُهُ الْقَاضِي فِي السِّجِلاَّتِ السَّابِقَةِ عَلَى تَوَلِّيهِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَعْمَل بِمَا فِيهَا إِذَا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ.
وَبِالنِّسْبَةِ لِمَا وَجَدَ فِي السِّجِلاَّتِ الَّتِي تَمَّتْ فِي عَهْدِهِ فَالْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَذَكَرَ الْحَادِثَةَ، فَإِنَّهُ يَعْمَل بِهِ وَيَنْفُذُ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا أَنْكَرَ السَّنَدَ مَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ.
1 / 246