كانت إسعاد تشكر في نفسها دائما هذه الرقة من ولدها وكانت كلما رأته يمد عينيه إلى شيء يتمتع به غيره من الشباب، ويقصر بها حالها أن تستجيب له؛ تحس في قبوله واقع أمرهما يدا قاسية تعتصر قلبها اعتصارا. وسبحانه بارئ النفوس فقد جعل القلب يخفق في عنف عند الحنان مثلما يخفق في عنف عند القسوة، يخفق من رضا كما يخفق من غضب. وقد كان هدوء معتز وصبره أشد على أمه وقعا لو أن معتز قابل فقرها بالسخط والغضب والاستنكار والتنكر. عاشت شباب ابنها الباكر وهي تعلم أن أشياء كثيرة تنقصه ولكنه لا يبين عنها؛ فكثير من إخوانه يملكون سيارات ومن حقه أن يطمع في أن يكون مثلهم، ولم لا وأمه على هذه الشهرة وأبوه الذي يعرف أنه أبوه على هذا الغنى! وقبل أن تؤجر شقتها أول مرة ألمح إلى هذه الرغبة ثم لم يعد إليها منذ بدأت أمه تأجير سكنها.
وهي تعلم أن ملابسه أقل كثيرا من إخوته الذين يراهم والذين لم يحاول أن يتعرف بهم بل لقد رفض محاولة أحدهم حين قدم نفسه إليه على أنه أخوه! لقد أنبأها عن ذلك اليوم.
حين تقدم إليه فتى يكاد يكون في مثل سنه. - ألا تعرفني؟
وكان يعرفه فقد أخبره كثير من أصدقائه الزملاء عنه وأشاروا له إليه فقال لهم إنهم لا يعيشون معا وإنه لا يريد أن يعرفه أو يعرف أحدا من بيته، فأقصروا منذ ذلك الحين ولم يعودوا إليها، ولكنه لم يكن يتصور أن يواجه أخاه هذه المواجهة: أتعرفني؟ أنعم فيه النظر وأرتج عليه بعض الحين ثم قال: لا أظن. - أنا سعد نديم الطوبجي. - تشرفنا. - ما هذا! ألم تدرك أنني أخوك؟ - من قال لك إنني أخوك؟ - شهادة ميلادي وأبي ... أبوك. - أبوك وحدك. - ولكن أنا ما ذنبي؟ - يا سعد إنني آسف لموقفك وآسف لموقفي أنا أكثر؛ فقد قسوت عليك دون أن أشرح لك معنى كلمة أخ التي أفهمها أنا وكلمة أب التي أعرفها والتي يجب أن تكون. - أنا لم أقصد سوءا. - وهذا ما يجعلني أشرح لك. ليست الأخوة وحدة في أب وإنما هي معايشة تنبت من الحياة لا من الاسم، وربما كنت فتى طيبا فيك ود وصفاء لكني أنا أرفض الأخوة منك، تلك الأخوة التي لا أخوة فيها إلا انتسابي إلى أب في ظلم أبيك! عن إذنك.
لقد سمعت إسعاد هذا الحديث كله وحفظته وتألمت له أنواعا من الألم شتى، فالكلام حق ولكنه موجه إلى رجل لا يستحقه بل هو لا يستحق من معتز إلا كل إجلال، فحسبه أنه أعطاه اسمه حتى ولو كان قد أعطاه هذا الاسم وهو مضطر غير مختار.
سمعت الحديث ولم تستطع أن تقول له الحقيقة؛ فهي أبشع بكثير مما يظن أن نديم قد فعل.
كانت الحقائق المختفية وشعور معتز بالفقر وهو يظن أنه جدير بالغنى، وإحساسه بالظلم لتنكر أبيه له، وقصورها أن تجيب رغباته، ورضاؤه بهذا القصور منها؛ كان هذا جميعا يحمل قلبها أكثر مما يطيق قلب الإنسان أن يحمل، ولهذا لم يكن غريبا أن تصاب بنوبة قلبية حادة، ولم يكن غريبا أيضا أن يلازمها معتز بجانب سريرها شهرين كاملين. ومن يدري ربما كان هذا البقاء سببا في تفوقه في هذا العام وإن كان المؤكد أنه كان من الأسباب التي أبقت على حياة أمه.
21
الجامعة تتكلم
كان حفلا سياسيا هاما في الجامعة الجديدة، وكانت قاعة الاحتفالات الكبرى التي تتسع لأربعة آلاف طالب وطالبة مليئة بالطلبة، فقد حشدت القوى السياسية ما استطاعت أن تحشد من الشهود؛ فكلما كثر عدد المشاهدين تأكد لدى الجهات العليا حرص القوى السياسية بالجامعة على مناصرة العهد وتأييده.
صفحة غير معروفة