شاءت المصادفات في الوقت نفسه أن مني صديقي «نابان» بهوس القريض، إذ فاجأه بعنف كزلزال الأرض.
ولما كانت هذه هي النوبة الأولى التي أصابت هذا الشاب المسكين لم يجد عنده استعدادا لمعالجة النظم والقوافي، ولم يستطع أن يثبت أمام هذه الصدمة، وخضع لهذا السحر خضوع الأرمل لزوجه الثانية، وفكر نابان في الاستعانة بي لإغاثته، وعالج الموضوع القديم الأبدي الذي يظن دائما جديدا وهو إهداء قصائده لحبيبته، فسألته بعدما صفعته بلطف على كتفه: «من تكون إذن أيها البطل؟»
فأجابني مبتسما: «إنني لا أعرفها.»
وقد وجب علي أن أعترف بأنني وجدت سلوانا عظيما لمجيئي لعون صديقي، وكنت أشبه بدجاجة أفرخت بيضة بطة، واستنفدت كل هواي المتأجج خدمة لنزعات «نابان» الشعرية، ونقحت نظمه الرث وأشعلت معانيه حتى أصبح أغلب كل قصيدة من قصائده من عملي الخاص.
فصاح «نابان» وقد تملكه الدهش: هذا بالضبط ما كنت أريده وما لا أستطيع أن أعبر عنه، وكيف توصلت أيها الشيطان للتعبير عن جميع هذه العواطف اللطيفة؟ فأجبته إجابة شاعر: «يكفي لذلك خيالي، وإنك لا تجهل أن الحقيقة صامتة، وأن الخيال وحده يفجر الفصاحة، والحقيقة هي الصخرة التي تقف سيل العواطف، ولكن الخيال يعرف كيف يشق له في هذه الصفاة دربا يمر منه.»
تلعثم نابان المسكين من الحيرة وأجاب: «نعم نعم، لقد فهمت»، ثم تمتم بعد أن فكر لحظة: «نعم نعم، لقد صدق ظنك.»
وقد بينت فيما سردته أن حبي كان به عاطفة إجلال واحترام تمنعني عن التعبير عنه بألفاظ، ولما أصبح نابان بمثابة ستر لي لم أجد عائقا أمامي لنزعات قلمي، وتأجج لهيب صادق من هذه القصائد التي نظمت بتفويض من صديقي .
قال «نابان» في آونة كان فيها مطمئن البال مرهف الذهن: «إن هذا القريض مما جادت به قريحتك، فدعني أنشره باسمك.» - يا للحماقة! إنه يخصك يا صديقي العزيز ولم يتجاوز عملي غير التنقيح.
وبهذه الوسيلة أعتقد شيئا فشيئا حتى صدق ما قلته، ولا أنكر أن شعوري كان أقرب إلى شعور الفلكي الذي يقلب طرفيه في السماء، إذ طفقت أوجه ناظري مثله صوب كوة بيت جارتي، ولقد وافقت نظرتي المختلسة جزاءها اللطيف من مشاهدة من كانت تتطلع إليها، وكان أقل شعاع يصدر من هذا الضوء النقي يهدئ ويطهر في لحظة ما كان يكنه تأثري مما يعكر أو يشين.
وفي ذات يوم تملكني الدهش، فهل أستطيع أن أصدق عيني؟ إذ هاجت بعد ظهر يوم حار من أيام الصيف ريح الشمال الغربية وهي عنيفة لا نظام لها وظهرت مهددة، تبعتها سحب مكفهرة تكاثفت في الأفق، فنهضت جارتي الجميلة تحدق في هذا الجو المضيء الغريب المزعج، وتقلب ناظريها في هذا الفضاء المقفر.
صفحة غير معروفة