والطنطنة والنميمة وتبادل السباب وإصدار الأحكام
ضد كل من خالفهم الرأي.
وفي الصفحة الأخيرة كان الإعلان عن الغسول الأمريكي الجديد منعا لسقوط الشعر، والحجاب المستورد الأنيق درءا للفتنة، ثم الإعلان عن تأسيس المؤسسة الكبرى للفكر العربي الأصيل برأسمال عشرين مليون دولار.
أمي المثالية
لماذا غمرني هذا الهدوء الغريب، كالشعور الذي يسبق فقدان الوعي، عند تلقي ضربة مفاجئة على الرأس؟ أطفئ النور وأتمدد فوق السرير، أغمض عيني وأروح فيما يشبه الغيبوبة، كم مرة في حياتي تخيلت هذه اللحظة حين يصبح الوهم حقيقة مادية أحسها في جسدي، وليس فكرة مجردة يطردها عقلي كأنما لن تحدث أبدا.
بالأمس احتفلت وحدي بعيد ميلادي الخمسين، الرقم يرن في أذني غريبا! خمسين؟! لا يصح للمرأة أن تبلغ الخمسين دون أن تكون جدة، تزوجت وأنجبت أولادا وأحفادا، وذهبت إلى الحج لتكفر عن ذنوبها وعادت تحمل لقب «حاجة ».
وأنا لم أتزوج ولم أنجب ولم أذهب إلى الحج، وإن ناداني أحد في الشارع «يا حاجة» أصحح الخطأ بصوت غاضب: «أنا مش حاجة.» وحين يناديني أحد في النادي الرياضي ويقول: «يا مدام.» أصحح الخطأ بصوت غاضب أيضا وأقول: «أنا مش مدام.» وقد يسألني أحد بالصفاقة التي يخاطبون بها النساء في سن الخمسين: «وماذا تكونين يا مدام؟» وأقول بغضب: «أنا أستاذة محامية!»
كل شيء في حياتي يبدو غريبا لأني امرأة لم يشغل حياتها رجل، لم يشغلها الجنس ولا الشهوة ولا الزواج، امرأة عفيفة طاهرة، بلغت الخمسين دون أن يترهل جسدها، دون أن تظهر التجاعيد على وجهها وبطنها المشدود، خطواتها فوق الأرض سريعة نشيطة، عيناها مملوءتان بالبريق والسعادة، امرأة بلغت الخمسين تبدو شابة في الثلاثين أو حتى العشرين، لم يكسر قلبها رجل، تحاول من خلال المحاماة أن تحقق العدل، كان لها مكتب في شارع صغير متفرع من ميدان التحرير، تلجأ إليها النساء المكلومات والمضروبات والمهجورات والمطلقات والمخدوعات والباحثات عن العدالة، كانت العدالة عمياء بلا عيون مثل كائن يضرب في الظلام.
كنت طفلة في السادسة من عمري حين تزوج أبي امرأة أخرى دون أن تعرف أمي، طلب مني ألا أقول الحقيقة، عودتني أمي على الصدق، قلت لها: أعطاني أبي علقة ساخنة وطلق أمي عقابا لي، أصبحت أعيش معها بلا أهل ولا معاش، كانت أمي من أجل أبي قد تركت أهلها وعملها، فقدت وظيفتها بالشهادة العليا ولم تستطع العودة إليها بعد الطلاق، اشتغلت أمي عاملة نظافة، لم يعد لحملة الشهادات العليا قيمة، أصبحوا من عمال النظافة وهو مجال غير نظيف، لكن أمي لم يكن يهمها إلا أن تعيش ابنتها حياة نظيفة، وإن توسخت هي، لا شيء يبقى من الوسخ بعد الغسيل.
تقدم لأمي رجال يطلبون الزواج منها، رفضتهم دون أن يطرف لها جفن، كان شرط الزواج أن تتخلى عني، لا يطيق الرجل أن يشاركه أحد قلب زوجته وإن كانت فلذة كبدها. أدخلتني أمي المدرسة والجامعة، عشنا في حي نظيف تسكنه العائلات حيث يكون الأب هو المسئول عن الإنفاق، تكذب أمي على الناس وتقول أبي ينفق علينا، وأنه رجل مستقيم لم يطلقها ولم يتزوج عليها دون أن تعرف، وتقول أمي للناس إنها موظفة في الحكومة، تتقاضى راتبا كل شهر مثل الموظفين، وكانت أمي موظفة فعلا لكن تحت كادر العمال الأدنى، تشتغل ضعف الساعات التي يشتغلها الموظفون من الكادر المتوسط، وتحصل على نصف ما يحصلون عليه.
صفحة غير معروفة