كشف الغمة
حلما ورجاحة، فهم البحور الزاخرة، والسحب الهامية الهامرة.
فما كان من خير أتوه فإنما
توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه
وتغرس إلا في منابتها النخل [1]
ولهذا
قال علي (عليه السلام) وقد سئل عن بني هاشم وبني أمية؟ فقال: نحن أمجد وأنجد وأجود، وهم أغدر وأمكر وأنكر،
ولقد صدق (عليه السلام)، فإن الذي ظهر من القبيلتين في طول الوقت دال على ما قاله (عليه السلام).
ولا ريب أن الأخلاق تظهر على طول الأيام، وهذه الأخلاق الكريمة اتخذوها شريعة وجعلوها إلى بلوغ غايات الشرف ذريعة لشرف فروعهم وأصولهم وثبات عقولهم، لأنهم لا يشينون مجدهم بما يصمه، ولا يشوهون وجوه سيادتهم بما يخلقها، ولأنهم مقتدى الامة ورءوس هذه الملة وسروات الناس وسادات العرب وخلاصة بني آدم، وملوك الدنيا والهداة إلى الآخرة وحجة الله على عباده وأمناؤه على بلاده، فلا بد أن تكون علامات الخير فيهم ظاهرة، وسمات الجلال بادية باهرة، وأمثال الكرم العام سايرة ، وإن كل متصف بالجود من بعدهم بهم اقتدى، وعلى منوالهم نسج، وبهم اهتدى.
وكيف لا يجود بالمال من يجود بنفسه النفيسة في مواطن النزال؟ وكيف لا يسمح بالعاجل من همه في الآجل؟ ولا ريب عند العقلاء أن من جاد بنفسه في القتال فهو بالمال أجود، ومن زهد في الدنيا المحبوبة فهو في الحطام الفاني أزهد، وقد عرفت زهدهم فاعرف به وفدهم، فإن الزاهد من زهد في حطامها وخاف من آثامها ورغب عن حلالها وحرامها، ولعلك سمعت بما أتى في هل أتى من إيثارهم على أنفسهم، أليسوا الذين أطعموا الطعام على حبه ورغب كل واحد منهم في الطوى لإرضاء ربه، وعرضوا تلك الأنفس الكريمة لمرارة الجوع، وأسهروا تلك العيون الشريفة من الخوى [2]، فلم تذق حلاوة الهجوع [3]، وجعلوها لما وجدوه من الرقة على المسكين واليتيم والأسير غرقى من الدموع وتكرر عليهم ألم فقد الغذاء غدوا
صفحة ٥٦٨