كشف الغمة
ونوافله وعبادته وزهادته وسيرته التي جرت بها عادته وسريرته، التي عرفت بها قاعدته، من الامور التي اشتهرت وظهرت، وكم رام الأعداء سترها فما استترت، وهل يخفى النهار لذي عينين، ومن الذي يبلغ شأو الحسن والحسين [1]، وكيف لا وقد خصا بالولدين والسيدين والريحانتين، فمناقبهما صلى الله عليهما تملى، وقلم القدر يكتب بالتصديق، ويسجل لمواليهما بحسن الاهتداء ومعاونة التوفيق.
ومن كلامه الدال على عبادته ونزاهته، الشاهد بقوة تمكنه وعلو مكانته،
قوله في بعض مواعظه: يا بن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا، وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن عدلا، إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا، أصبح جمعهم بورا [2] وعملهم غرورا، ومساكنهم قبورا يا بن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فخذ مما في يديك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود، والكافر يتمتع.
وكان يتلو بعد هذه الموعظة: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى @HAD@ .
فتدبر معاني هذا الكلام بفكرك، وأعطه نصيبا وافرا من فهمك تجد مشرع (العبادة و) الفصاحة نميرا [3] ويتحقق قوله تعالى: ذرية بعضها من بعض إن وجدت قلبا عقولا وطرفا بصيرا.
وروى الكليني رحمه الله تعالى مرفوعا عن أبي أسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إلى مكة سنة ماشيا فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم؟ فقال: كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه [4]، فقال له مولاه: بأبي أنت وأمي ما قدمنا منزلا فيه أحد يبيع هذا الدواء، قال: بلى إنه أمامك دون المنزل، فساروا أميالا فإذا هم بالاسود، فقال الحسن بن علي (عليهما السلام) لمولاه: دونك الرجل فخذ منه الدهن وأعطه الثمن، فقال له الأسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن؟ فقال: للحسن بن علي (عليهما السلام)، فقال: انطلق بي
صفحة ٥٢١