413

(و) لما كان الجهل مقابلا للاجتهاد ويلزم التقليد لأجله شرعا وذلك يتوقف على معرفة ماهيته ومن يقلد ومن لا وما يقلد فيه وما لا ، حسن إلحاقه به فقال (التقليد) لغة مأخوذة من القلادة كأن المستفتي جعل الفتيا قلادة في عنق المفتي أو عنقه نفسه واصطلاحا (اتباع قول الغير) الناشئ عن قبوله أي اعقتاده والإذعان له والمراد بالقول الرأي والمذهب فيشمل القول والفعل والترك والتقرير وإضافته إلى الغير يخرج المعلوم ضرورة لعدم اختصاصه بذلك المجتهد وما كان من أقواله وأفعاله التي ليس فيها اجتهاد إذ لا يسمى قولا له بالمعنى الذي ذكرناه وقوله (بلا حجة) دليل أوأمارة (ولا شبهة) أي ما في صورتهما يخرج المجتهد الموافق اجتهاده لاجتهاد آخر لأنه إنما قبل ذلك الحكم وأخذه من الدليل لا من المجتهد وقولهم أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في كذا تجوز ويخرج أيضا الرجوع إلى قول النبي أو إلى الإجماع ورجوع القاضي إلى الشهود في شهادتهم لقيام الحجة فيهما فقول النبي بالمعجزة والإجماع بما مر في حجيته والشاهد بالإجماع ولو سمي ذلك أو بعضه تقليدا أو استفتاء كما سمي في العرف أخذ العامي بقول المجتهد تقليدا فلا مشاحة في التسمية والاصطلاح (ولا يجوز) أي (التقليد(1) في الأصول) سواء كانت من أصول الدين كمعرفة الباري تعالى وصفاته وقدمه وأسمائه والوعد والوعيد والنبوءات وما يتعلق بذلك أو من أصول الفقه أو من أصول الشريعة التي هي الصلاة والصوم والحج ونحوها لاشتراط العلم فيها وعدم حصوله بالتقليد ولثبوت أن الحق فيها مع واحد والمخالف مخطئ آثم فلا يأمن المقلد أن يكون من قلده مخطئا فيكون على ضلالة في دينه ويكون هالكا سيما العقلية منها كمعرفته تعالى ولذا حث تعالى على النظر والفكر فقال ?ويتفكرون في خلق السموات والأرض ? [آل عمران191 ]الآية ?أفلا ينظرون إلى الإبل ? [الغاشية17]الآية وغير ذلك من القرآن كثير واحتج تعالى على الكفار في القرآن وذمهم على تقليدهم الآباء في قولهم? إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون ?[الزخرف23 ]وأيضا فإن معرفة الله تعالى وصفاته ونحوها واجبة بالإجماع فلو اقتضاها التقليد لزم اجتماع النقيضين فيكون كل منهما حقا وهو محال

بيانه : أنه إذا قلد اثنان اثنين في المسائل المختلف فيها كحدوث العالم وقدمه كان المقلدان عالمين بهما فيلزم حقيقتهما وعدم إلزام الصحابة العوام بالنظر ممنوع فقد ألزموهم وصدر منهم كما قال الأعرابي البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام على المسير أفسماء ذات بروج وأرض ذات فجاج لا يدلان على اللطيف الخبير ؟! ونهيه عن الكلام في القدر محمول على الجدال بالباطل والله أعلم.

صفحة ٤٧٧