أما اليوم فقد ألقي بيننا وبين أنفسنا حجاب صفيق، وألقي بيننا وبين السياسة والسياسيين ستار كثيف، وجعلنا نتحدث كما يتحدث الناس حين يلتقون على غير معرفة موثقة أو مودة متينة قد برئت من التكلف، وألقيت عنها الحجب والأستار، فهم حراص على ألا يقول بعضهم لبعض ما يؤذي أو يسوء، لماذا تعمدنا أن نجتنب الحديث عن ذات أنفسنا، ولماذا تعمدنا أن نجتنب الحديث حتى عن حاضرنا وحاضر الناس، وحتى عن مستقبلنا ومستقبل الناس، ولماذا أنفقنا هذه الساعات الطوال لا نتحدث إلا في هذه الموضوعات التي لا تحطم شيئا كما يقول الفرنسيون، ولماذا نسي كل واحد منا أن ينشد حين رأى صاحبه قول الشاعر القديم:
نلبث حولا كاملا كله
لا نلتقي إلا على منهج
في موسم الحج وماذا منى
وأهله إن هي لم تحجج
سل السياسة عن هذا فهي التي تستطيع أن تخبرك الخبر اليقين، وسل السياسة عن هذا فهي التي تحسن التفريق بين الأصدقاء، والتقريب بين الأعداء، وهي التي تحسن أن تنسي الناس أنهم كانوا رفاقا في الصبا، وزملاء في الشباب، وأخلاء في الكهولة. وسل السياسة فهي التي تحسن أن تقيم المنافع العاجلة مقام المودة الباقية، وأن تشغل الناس بساعتهم التي هم فيها عن ماضيهم ذاك الطويل، وأن تشغل الناس بما يقضون من منافع، وما يرضون من مآرب، وما يحققون من آمال عما وثقت الأسر بينها من عرى متينة، وصلات كان يظن أنها أبقى على الزمن الباقي من الزمن.
وهل من الحق أننا لم نتحدث في هذه الساعات الطوال عن ذات أنفسنا، وهل من الحق أننا لم نذكر في هذه الساعات الطوال تلك الأيام الحلوة التي امتلأت لذات الصبا والشباب، وهل من الحق أننا لم نعبث بالسياسة والسياسيين، وأننا لم نعبث بأنفسنا؛ لأنها اتصلت بالسياسة والسياسيين، وهل من الحق أننا أنفقنا هذه الساعات الطوال في هذه الأحاديث التي كنا نكره أن نخوض فيها، والتي يستعين الناس بها على أن يحتمل بعضهم بعضا، وهل من الحق أن هذه الأحاديث التي أنفقنا فيها الساعات الطوال لم تعن أحدنا على أن يحتمل صاحبه، فكنا نستنجد بالسجائر التي نكثر من تحريقها، وكنا نستنجد بما عند صاحب البولمان من القهوة والليمون والبرتقال، وكنا نستنجد بتكلف الفكاهة، واختراع الدعابة نجذبها من شعورها جذبا كما يقول الفرنسيون، وهل من الحق أن أحدنا لو عرف أنه سيلقى صاحبه في القطار لقدم سفره أو آخره حتى لا يكون هذا اللقاء، وحتى لا يكون الاضطرار إلى هذه الأحاديث الفارغة التي لا تغني عن أصحابها شيئا إلا أنها تعينهم على قطع الوقت، وتمكنهم من أن يحتمل بعضهم بعضا.
نعم كل هذا حق، ولكن هناك حقا آخر لم أشكك فيه، ولم يشك فيه صاحبي لحظة، وهو أن ألسنتنا كانت تهذي بما لا يغني، وأن آذاننا كانت تتجرع هذا الهذيان، وأن قلوبنا في أثناء ذلك كانت تتحدث بما لم تكن تتحدث به ألسنتنا، وأن نفوسنا في أثناء ذلك كانت تستمتع بما لم تكن تستمتع به آذاننا، فقد كان كل واحد منا يكذب على صاحبه أشنع الكذب بما يلقي إليه من هذا الكلام الذي لا طائل فيه، والذي لا يدل على شيء، وكان كل واحد منا يصدق صاحبه أعذب الصدق بهذا الحديث الذي لم تكن تجري به الألسنة، ولم تكن تتلقاه الآذان، وإنما كانت تخفق به القلوب، وتستمتع به النفوس، وتجد فيه العقول راحة وروحا، وتجد فيه الضمائر رضى وأمنا.
أما أنا فقد كنت أراني وما أشك في أن صاحبي قد كان يرى نفسه معي في ذلك المكان الضيق أمام تلك الدار الصغيرة على شاطئ القناة، وقد أظلتنا شجرات بسطت أغصانها إلى ماء القناة من ناحية أخرى، وقامت عليها الطير تملأ الجو بغنائها المتصل الرفيع، وخفق أجنحتها المتقطع، ونحن نأخذ فيما تعودنا أن نأخذ فيه من حديث، وقد رفعنا أصواتنا ليسمع كل منا صاحبه، فقد كان غناء الطير، وحفيف الورق، وهفيف النسيم، وتصايح الصبية من حولنا، وتنادي الرجال والنساء هنا وهناك، كان هذا كله يوشك أن يحول بيننا وبين الحديث.
نعم، كنت أراني مع صاحبي في هذا المكان، وكنت أسمع قلبي يلقي إلى قلب صاحبي حديث المودة والإخاء صفوا عفوا، وعذبا نقيا، وكنت أتلقى من قلب صاحبي مثل ما كنت ألقي إليه على حين كانت ألسنتنا تهذي بسخيف القول؛ لأن ظروف الحياة قد أخذت تعلم الناس أن يخفوا المودة، ويظهروا النفاق، وأن يسروا الحب، ويعلنوا البغض، وأن يكذب بعضهم على بعض حتى في ذات أنفسهم، وأن يخيل بعضهم إلى بعض أن الأسباب بينهم مقطعة، وإن الأسباب بينهم لموصولة، ولكن مهلا. إن إخفاء المودة يوشك أن يمحوها، وإن إسرار الإخاء يوشك أن يقتله، وإن التصريح بالكذب والنفاق وإعلان التباعد والخصومة يوشك أن يجعل الكذب والنفاق والتباعد والخصومة أصولا لما نستأنف من حياة.
صفحة غير معروفة