جامع البيان في تفسير القرآن
ولكنه النائي إذا كنت آمنا
وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
و «أن» التي في قوله { أن ينكحن } في موضع نصب قوله: { تعضلوهن }. ومعنى قوله: { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } إذا تراضى الأزواج والنساء بما يحل، ويجوز أن يكون عوضا من أبضاعهن من المهور ونكاح جديد مستأنف. كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عمير بن عبد الله، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنكحوا الأيامى "
فقال رجل يا رسول الله ما العلائق بينهم، قال:
" ما تراضى عليه أهلوهم "
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن الحارث، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو منه. وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي من العصبة. وذلك أن الله تعالى ذكره منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح، ونهاه عن ذلك، فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها، أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم، إذ كان لا سبيل له إلى عضلها، وذلك أنها إن كانت متى أرادت النكاح جاز لها إنكاح نفسها أو إنكاح من توكله إنكاحها، فلا عضل هنالك لها من أحد، فينهى عاضلها عن عضلها. وفي فساد القول بأن لا معنى لنهي الله عما نهى عنه صحة القول بأن لولي المرأة في تزويجها حقا لا يصح عقده إلا به، وهو المعنى الذي أمر الله به الولي من تزويجها إذا خطبها خاطبها ورضيت به، وكان رضى عند أوليائها جائزا في حكم المسلمين لمثلها أن تنكح مثله، ونهاه عن خلافه من عضلها، ومنعها عما أرادت من ذلك وتراضت هي والخاطب به. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر }. يعني تعالى ذكره بقوله ذلك ما ذكر في هذه الآية : من نهي أولياء المرأة عن عضلها عن النكاح يقول: فهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح عظة مني من كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر، يعني يصدق بالله فيوحده، ويقر بربوبيته، { واليوم الأخر } يقول: ومن يؤمن باليوم الآخر فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب، ليتقي الله في نفسه، فلا يظلمها بضرار وليته، ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها ممن أذنت لها في نكاحه. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل { ذلك يوعظ به } وهو خطاب للجميع، وقد قال من قبل: { فلا تعضلوهن } وإذا جاز أن يقال في خطاب الجميع ذلك أفيجوز أن تقول لجماعة من الناس وأنت تخاطبهم أيها القوم: هذا غلامك وهذا خادمك، وأنت تريد: هذا خادمكم وهذا غلامكم؟ قيل لا، إن ذلك غير جائز مع الأسماء الموضوعات، لأن ما أضيف له الأسماء غيرها، فلا يفهم سامع سمع قول قائل لجماعة أيها القوم هذا غلامك، أنه عنى بذلك: هذا غلامكم، إلا على استخطاء الناطق في منطقه ذلك، فإن طلب لمنطقه ذلك وجها، فالصواب صرف كلامه ذلك إلى إنه انصرف عن خطاب القوم بما أراد خطابهم به إلى خطاب رجل واحد منهم أو من غيرهم، وترك مجاوزة القوم بما أراد مجاوزتهم به من الكلام، وليس ذلك كذلك في ذلك لكثرة جري ذلك على ألسن العرب في منطقها وكلامها، حتى صارت الكاف التي هي كناية اسم المخاطب فيها كهيئة حرف من حروف الكلمة التي هي متصلة، وصارت الكلمة بها كقول القائل هذا، كأنها ليس معها اسم مخاطب، فمن قال: { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } أقر الكاف من ذلك موحدة مفتوحة في خطاب الواحدة من النساء والواحد من الرجال، والتثنية والجمع، ومن قال: { ذلكم يوعظ به } كسر في خطاب الواحدة من النساء، وفتح في خطاب الواحد من الرجال فقال في خطاب الاثنين منهم ذلكما، وفي خطاب الجمع ذلكم.
وقد قيل: إن قوله: { ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك وجه ثم رجع إلى خطاب المؤمنين بقوله: { من كان منكم يؤمن بالله } وإذا وجه التأويل إلى هذا الوجه لم يكن فيه مؤنة. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. يعني تعالى ذكره بقوله: { ذلكم } نكاح أزواجهن لهن، ومراجعة أزواجهن أياهن بما أباح لهن من نكاح ومهر جديد، أزكى لكم أيها الأولياء والأزواج والزوجات. ويعني بقوله: { أزكى لكم } أفضل وخير عند الله من فرقتهن أزواجهن. وقد دللنا فيما مضى على معنى الزكاة، فأغنى ذلك عن إعادته. وأما قوله { وأطهر } فإنه يعني بذلك: أطهر لقلوبكم وقلوبهن وقلوب أزواجهن من الريبة، وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما أعني الزوج والمرأة علاقة حب، لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحله الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا منه بريئين. فأمر الله تعالى ذكره الأولياء إذا أراد الأزواج التراجع بعد البينونة بنكاح مستأنف في الحال التي أذن الله لهما بالتراجع أن لا يعضل وليته عما أرادت من ذلك، وأن يزوجها، لأن ذلك أفضل لجميعهم، وأطهر لقلوبهم مما يخاف سبوقه إليها من المعاني المكروهة. ثم أخبر تعالى ذكره عباده أنه يعلم من سرائرهم وخفيات أمورهم، ما لا يعلمه بعضهم من بعض، ودلهم بقوله لهم ذلك في الموضع أنه إنما أمر أولياء النساء بإنكاح من كانوا أولياءه من النساء إذا تراضت المرأة والزوج الخاطب بينهم بالمعروف، ونهاهم عن عضلهن عن ذلك لما علم مما في قلب الخاطب والمخطوبة من غلبة الهوى والميل من كل واحد منهما إلى صاحبه بالمودة والمحبة، فقال لهم تعالى ذكره: افعلوا ما أمرتكم به إن كنتم تؤمنون بي وبثوابي وبعقابي في معادكم في الآخرة، فإني أعلم من قلب الخاطب والمخطوبة ما لا تعلمونه من الهوى والمحبة، وفعلكم ذلك أفضل لكم عند الله ولهم، وأزكى وأطهر لقلوبكم وقلوبهن في العاجل.
[2.233]
يعني تعالى ذكره بذلك: والنساء اللواتي بن من أزواجهن ولهن وأولاد قد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق أو ولدنهم منهم بعد فراقهم إياهن من وطء كان منهم لهن قبل البينونة يرضعن أولادهن، يعني بذلك أنهن أحق برضاعهم من غيرهن. وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان المولود له والدا حيا موسرا لأن الله تعالى ذكره قال في سورة النساء القصرى:
صفحة غير معروفة