400

وقد زعم بعض أهل الغباء أنه قد صح عنده أن العمرة واجبة بأنه لم يجد تطوعا إلا وله إمام من المكتوبة فلما صح أن العمرة تطوع وجب أن يكون لها فرض، لأن الفرض إمام التطوع في جميع الأعمال. فيقال لقائل ذلك: فقد جعل الاعتكاف تطوعا، فما الفرض الذي هو إمام متطوعه؟ ثم يسئل عن الاعتكاف أواجب هو أم غير واجب؟ فإن قال: واجب، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال: تطوع، قيل: فما الذي أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعا والعمرة فرضا من الوجه الذي يجب التسليم له؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله. وبما استشهدنا من الأدلة، فإن أولى القراءتين بالصواب في العمرة قراءة من قرأها نصبا. وإن أولى التأويلين في قوله { وأتموا الحج والعمرة لله } تأويل ابن عباس الذي ذكرنا عنه من رواية علي بن أبي طلحة عنه من أنه أمر من الله بإتمام أعمالهما بعد الدخول فيهما وإيجابهما على ما أمر به من حدودهما وسننهما.

وإن أولى القولين في العمرة بالصواب قول من قال: هي تطوع لا فرض. وإن معنى الآية: وأتموا أيها المؤمنون الحج والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم على ما أمركم الله من حدودهما. وإنما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية على نبيه عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية التي صد فيها عن البيت معرفه المؤمنين فيها ما عليهم في إحرامهم إن خلى بينهم وبين البيت ومبينا لهم فيها ما المخرج لهم من إحرامهم إن أحرموا، فصدوا عن البيت وبذكر اللازم لهم من الأعمال في عمرتهم التي اعتمروها عام الحديبية وما يلزمهم فيها بعد ذلك في عمرتهم وحجهم، افتتح بقوله:

يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج

[البقرة: 189]. وقد دللنا فيما مضى على معنى الحج والعمرة بشواهد، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي }. اختلف أهل التأويل في الإحصار الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي، فقال بعضهم: هو كل مانع أو حابس منع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله عليه في إحرامه ووصوله إلى البيت الحرام. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه كان يقول: الحصر: الحبس كله. يقول: أيما رجل اعترض له في حجته أو عمرته فإنه يبعث بهديه من حيث يحبس. قال: وقال مجاهد في قوله: { فإن أحصرتم } فإن أحصرتم: يمرض إنسان أو يكسر أو يحبسه أمر فغلبه كائنا ما كان، فليرسل بما استيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولايحل حتى يوم النحر. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: الإحصار كل شيء يحبسه. وحدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن سعيد، عن قتادة أنه قال: في المحصر: هو الخوف والمرض والحابس إذا أصابه ذلك بعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محله حل. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } قال: هذا رجل أصابه خوف أو مرض أو حابس حبسه عن البيت يبعث بهديه، فإذا بلغ محله صار حلالا. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق،قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إبراهيم، قال أبو جعفر: أحسبه عن شريك، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم: { فإن أحصرتم } قال: مرض أو كسر أو خوف.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي عن ابن عباس قوله: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } يقول: من أحرم بحج أو بعمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يجهده، أو عذر يحبسه فعليه قضاؤها. وعلة من قال بهذه المقالة أن الإحصار معناه في كلام العرب: منع العلة من المرض وأشباهه غير القهر والغلبة من قاهر أو غالب إلا غلبة علة من مرض أو لدغ أو جراحة، أو ذهاب نفقة، أو كسر راحلة. فأما منع العدو، وحبس حابس في سجن، وغلبة غالب حائل بين المحرم والوصول إلى البيت من سلطان، أو إنسان قاهر مانع، فإن ذلك إنما تسميه العرب حصرا لا إحصارا. قالوا: ومما يدل على ذلك قول الله جل ثناؤه:

وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا

[الإسراء: 8] يعني به: حاصرا: أي حابسا. قالوا: ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل التي وصفنا يسمى إحصارا لوجب أن يقال: قد أحصر العدو. قالوا: وفي اجتماع لغات العرب على «حوصر العدو» و«العدو محاصر»، دون «أحصر العدو» و«هم محصرون»، و«أحصر الرجل» بالعلة من المرض والخوف، أكبر الدلالة على أن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: { فإن أحصرتم } بمرض أو خوف أو علة مانعة. قالوا: وإنما جعلنا حبس العدو ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت بمعنى حصر المرض قياسا على ما جعل الله جل ثناؤه من ذلك للمريض الذي منعه المرض من الوصول إلى البيت، لا بدلالة ظاهر قوله: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } إذ كان حبس العدو والسلطان والقاهر علة مانعة، نظيرة العلة المانعة من المرض والكسر. وقال آخرون: معنى قوله: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } فإن حبسكم عدو عن الوصول إلى البيت، أو حابس قاهر من بني آدم. قالوا: فأما العلل العارضة في الأبدان كالمرض والجراح وما أشبهها، فإن ذلك غير داخل في قوله: { فإن أحصرتم }. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس أنه قال: الحصر: حصر العدو، فيبعث الرجل بهديته، فإن كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدو، فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة، فإنه يبعث بها ويحرم قال محمد بن عمرو، قال أبو عاصم: لا ندري قال يحرم أو يحل من يوم يواعد فيه صاحب الهدي إذا اشترى، فإذا أمن فعليه أن يحج أو يعتمر، فإذا أصابه مرض يحبسه وليس معه هدي، فإنه يحل حيث يحبس، فإن كان معه هدي فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بعث به فليس عليه أن يحج قابلا، ولا يعتمر إلا أن يشاء.

حدثت عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: ثني يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ، قال: لا حصر إلا من حبس عدو. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس مثل حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم، إلا أنه قال: فإنه يبعث بها ويحرم من يوم واعد فيه صاحب الهدية إذا اشترى. ثم ذكر سائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم. وقال مالك بن أنس:« بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء». حدثني بذلك يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه. قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت؟ فقال: يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث يحبس، وليس عليه قضاء إلا أن يكون لم يحج قط، فعليه أن يحج حجة الإسلام. قال: والأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو بمرض أو ما أشبهه، أن يبدأ بما لا بد منه، ويفتدي، ثم يجعلها عمرة، ويحج عاما قابلا ويهدي. وعلة من قال هذه المقالة أعني من قال قول مالك أن هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، فأمر الله نبيه ومن معه بنحر هداياهم والإحلال. قالوا: فإنما أنزل الله هذه الآية في حصر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلت فيه. قالوا: وأما المريض، فإنه إذا لم يطق لمرضه السير حتى فاتته عرفة، فإنما هو رجل فاته الحج، عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به من فاته الحج، وليس من معنى المحصر الذي نزلت هذه الآية في شأنه. وأولى التأويلين بالصواب في قوله: { فإن أحصرتم } تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو أو مرض أو علة عن الوصول إلى البيت ، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم، فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة. فلذا قيل «أحصرتم»، لما أسقط ذكر الخوف والمرض. يقال منه: أحصرني خوفي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الحابس الرجل والإنسان، قيل: حصرني فلان عن لقائك، بمعنى حبسني عنه. فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: { فإن أحصرتم } فإن حبسكم حابس من العدو عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم.

ومما يبين صحة ما قلناه من أن تأويل الآية مراد بها إحصار غير العدو وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، قوله: { فإن أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } والأمن إنما يكون بزوال الخوف. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأمن. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن حبس الحابس الذي ليس مع حبسه خوف على النفس من حبسه داخلا في حكم الآية بظاهرها المتلو، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه، كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد وزوج المرأة، وإن كان منهم أو من بعضهم حبس، ومنع عن الشخوص لعمل الحج، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام، غير داخل في ظاهر قوله: { فإن أحصرتم } لما وصفنا من أن معناه: فان أحصركم خوف عدو، بدلالة قوله: { فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج }. وقد بين الخبر الذي ذكرنا آنفا عن ابن عباس أنه قال: الحصر: حصر العدو. وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعا من الوصول إلى البيت، فكل مانع عرض للمحرم فصده عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم. ثم اختلف أهل العلم في تأويل قوله: { فما استيسر من الهدي } فقال بعضهم: هو شاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد ، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: { ما استيسر من الهدي } شاة. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: { ما استيسر من الهدي } شاة. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباس، مثله. حدثني ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن مالك، قال: تمتعت فسألت ابن عباس فقال: { ما استيسر من الهدي } قال: قلت شاة؟ قال: شاة. حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق. عن النعمان بن مالك، قال: سألت ابن عباس عما استيسر من الهدي؟ قال: من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن. حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، قال الزهري: أخبرنا وسئل عن قول الله جل ثناؤه: { فما استيسر من الهدي } قال: كان ابن عباس يقول: من الغنم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ما استيسر من الهدي: من الأزواج الثمانية. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: قيل للأشعث: ما قول الحسن: { فما استيسر من الهدي }؟ قال: شاة. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: { فما استيسر من الهدي }؟ قال: شاة. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: { فما استيسر من الهدي } قال: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله، إلا أنه كان يقال: أعلاه بدنة، وذكر سائر الحديث مثله. حدثنا ابن بشار قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا همام، عن قتادة ، عن زرارة، عن ابن عباس، قال: { فما استيسر من الهدي } شاة. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، مثله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن ابن جريج، عن عطاء: { فما استيسر من الهدي } شاة. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، قال: ثنا محمد بن نفيع، عن عطاء، مثله. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: المحصر يبعث بهدي شاة فما فوقها. حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر، بعث بما استيسر من الهدى شاة. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ما استيسر من الهدي: شاة فما فوقها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، وحدثنا المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني عن شعبة، قال: ثنا أبو جمرة، عن ابن عباس، قال: ما استيسر من الهدي: جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن ابن عباس كان يرى أن الشاة ما استيسر من الهدي. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما استيسر من الهدي: شاة. حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: ما استيسر من الهدي: شاة. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سهل بن يوسف قال: ثنا حميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: قال ابن عباس: الهدي: شاة، فقيل له: أيكون دون بقرة؟ قال: فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تدرون به أن الهدي شاة ما في الظبي ؟ قالوا: شاة، قال: هديا بالغ الكعبة.

صفحة غير معروفة