459

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

محقق

عبد الكريم سامي الجندي

الناشر

دار الكتب العلمية

الإصدار

الأولى ١٤٢٦ هـ

سنة النشر

٢٠٠٥ م

مكان النشر

بيروت - لبنان

مناطق
العراق
صَحِيح، وَقد أَتَت الرِّوَايَة بِهِ من طرقٍ عدَّة، وَفِي بَعْضهَا أنَّ النَّبيّ ﷺ ذكر نَفسه وَتِسْعَة مَعَه، وَفِي بَعْضهَا أَنه ذكر من صحابته عشرَة، وَالْأَخْبَار بِكُل واحدٍ من الْوَجْهَيْنِ ثَابِتَة. وَقَول عَليّ بْن الجهم فِي شعره لَا واني أَتَى بِهِ على الأَصْل، وَهَذَا مِمَّا يسوغ للشاعر لإِقَامَة الْوَزْن، قَالَ الشَّاعِر:
كمشتريٍ بِالْحَمْد أحمرة تترى
وَقَالَ آخر:
لَا بَارك الله فِي الغواني هَل ... يصبحن إِلَّا لَهُنَّ مطلب
وَقَوله: كَفَى رَسُولُ اللَّهِ مَا هَمَّهُ الْعَرَب تَقول: همك مَا أهمك أَي أذابك مَا يعذبك، وَيُقَال: هَمَمْت الشَّحْم أَي أذبته، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا كرثه ولذعه بمضضه، وَقَوله: يخمسهم ابْن أَبِي طَالب يُقَال: خمست الْقَوْم أخمسهم إِذا صرت خَامِسًا لَهُم، وَمثله ثلثتهم أثلثهم وسدستهم أسدسهم، وَمثله ثمنتهم وعشرتهم، فَإِذا قلت أخمسهم بِالضَّمِّ فمعنا أخذت خمس أَمْوَالهم، وَمثله أثلثهم وأسدسهم وأثمنهم وأعشرهم إِذا أخذت هَذِه الْأَجْزَاء مِنْهُم، فَإِذا قلت: ربعتهم وسبعتهم وتسعتهم قلت فِي الْوَجْهَيْنِ أربعهم وأتسعهم، ففتحت عين الْفِعْل من أجل حرف الْحلق. وَقَوله: ابْن أَبِي طالبٍ وابْن عوفٍ بِالْقطعِ وَالْألف فِيهِ للوصل لضَرُورَة الشّعْر وَتَصْحِيح الْوَزْن، وَقد أَتَى مثل هَذَا كثيرا فِي أشعار الْعَرَب، وَذكرنَا مِنْهُ فِيمَا مضى من كتَابنَا هَذَا أبياتًا عدَّة، من ذَلِك قَول الشَّاعِر:
إلّا لَا أرى إثنين أكرمَ شِيمَةً ... عَلَى حِدْثان الدَّهْر مِنِّي وَمن جمل
وَقَالَ آخر:
فَأَي امْرِئ ألشامُ بيني وَبَينه ... أَتَتْنِي ببشرى برده ورسائله
ولاستقصاء القَوْل فِي هَذَا بَين يَدي هِشَام
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: صعد رجل إِلَى هِشَام بْن عبد الْملك فِي خضراء مُعَاوِيَة، فَمثل بَين يَدَيْهِ لَا يتَكَلَّم، فَقَالَ لَهُ هِشَام: مَالك لَا تَتَكَلَّم؟ قَالَ: هَيْبَة الْملك وبهر الدرج؛ فَلَمَّا رجعت نَفسه إِلَيْهِ قَالَ لَهُ هِشَام: تكلم وَإِيَّاك ومدحنا، فَقَالَ: لست أحمدك إِنَّمَا أَحْمَد الله تَعَالَى فِيك. ثُمَّ قَالَ: إِن الدُّنْيَا ذمت بأعمال الْعباد إِذا أساءوا، وَلم تحمد بأعمالهم فِيهَا إِذا أَحْسنُوا، وَإِن الدُّنْيَا لم تكْتم بِمَا فِيهَا فتذم وَلَكِن إِنَّمَا جهرت بِهِ، فَأَخذهَا من أَخذهَا بذلك وَهِي عَلَيْهِ، وَتركهَا من تَركهَا لذَلِك وَهِي لَهُ. وَإِن الدُّنْيَا نادت أَهلهَا بِأَنَّهَا تاركة من أَخذهَا، ومفارقة من صحبها، ومخربة عمرَان من عمرها، فَمن زرع فِيهَا شرورًا حصد حزنا، وَمن أبر فِيهَا هوى اجتنى ندامة، وَإِنَّمَا هِيَ لمن زهد فِيهَا الْيَوْم وَأعْرض عَنْهَا وآثر الْحق عَلَيْهَا؛ وَأَخذهَا من أَخذهَا بعد الْبَيَان مِنْهَا والإخبار عَن نَفسهَا، فغر نَفسه وسماها غرارة، وَكذب نَفسه وسماها كذابة، وزهد فِيهَا

1 / 463