397

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

محقق

عبد الكريم سامي الجندي

الناشر

دار الكتب العلمية

الإصدار

الأولى ١٤٢٦ هـ

سنة النشر

٢٠٠٥ م

مكان النشر

بيروت - لبنان

مناطق
العراق
أعظم كبرياء وَأَقل أتقياءً وَأكْثر أَنْبيَاء كَانَ مِنْهُم الْمُغِيرَة الْخَبيث السريرة، وَبَيَان وأَبُو بَيَان، واللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، مَا رَأَيْتُ شَيْئا قطّ أَكثر بدنًا مصلوبًا وَلا رَأْسا مَنْصُوبًا من أهل الْكُوفَة، وَمَا لنا إِلا نَبِيّ وَاحِد ﷺ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَبُو الْعَبَّاس، فَقَالَ الْحَسَن بْن زِيَاد: أتشتم أَصْحَاب عَليّ؟ وَقَدْ سِرتُم إِلَيْهِ لتقتلوه، فَإِن قُلْتُ: نَحْنُ واللَّه أَصْحَاب عَليّ سرنا إِلَيْهِ لنقتله فَكف اللَّه تَعَالَى شوكتنا وَسِلَاحنَا عَنْهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ من بَيْنَ أظهرنَا، فَقتله أَهْل الْكُوفَة من بَيْنَ أظْهركُم فأينا أعظم ذَنبا، فَقَالَ الحَجَّاج بْن أرْطَاة: بَلغنِي أَن أَهْل الْبَصْرَة كَانُوا يومئذٍ ثَلَاثِينَ ألفا وَأهل الْكُوفَة تِسْعَة آلَاف فَلَمَّا التقتْ حَلَقَنا الْبِطان، وتناهد النَّهدان، وَأخذت الرِّجَال أقرانها، مَا كَانُوا إِلا كرمادٍ اشْتدَّتْ بِهِ الريحُ فِي يوْم عاصف، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه تَعَالَى من ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَمن أَيْنَ كُنَّا ثَلَاثِينَ ألفا وَقَدْ خرجت رَبِيعَة تعين علينا، وَخرج الأحنفُ بْن قيسٍ فِي سعدٍ والرَّباب وهم الشَّام الْأَعْظَم وَالْجُمْهُور الْأَكْبَر، وَلَكِنْ سَلْهُم كم كَانَ عددُنا يوْم اسْتَغَاثُوا بِنَا؟ فَلَمَّا الْتفت حلقتا الْبِطان، وتناهد النَّهدان، وَأخذت الرِّجَال أقرانها، شدخ مِنْهُم فِي صعيدٍ وَاحِد تِسْعَة آلَاف وذُبحوا ذَبْح الْحُمْلان، قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ليلى: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين نَحْنُ أَكثر مِنْهُم أشرافًا، وَأكْرم مِنْهُم أسلافًا، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، هَلْ كَانَ فِي تَمِيم الْكُوفَة مثل الْأَحْنَف بْن قَيْس الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِر:
إِذا الأبصارُ أَبْصرت ابنَ قيسٍ ... ظَلَلْنَ مهابة مِنْهُ خُشُوعَا
وَهل كَانَ فِي قَيْس عَيْلان الْكُوفَة مثل قُتَيْبَة بْن مُسْلِم الَّذِي يَقُول فِيهِ الشَّاعِر:
كُلّ يومٍ يَحْوِي قُتَيْبَة نَهْبًا ... ويزيدُ الْأَمْوَال مَالا جَدِيدا
بَاهِليُّ قَدْ عَصَبَ التَّاج حَتَّى ... شَاب مِنْهُ مفارقٌ كن سَواد
ويُروَى: كُلّ يوْم يُجْرِي قُتَيْبَة نهبًا، وَهل كَانَ فِي بَكْر بن وَائِل الْكُوفَة مثل مَالك بْن مِسْمع الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر
إِذا مَا خَشِينَا من أميرٍ ظُلامةً ... دَعَوْنا أَبَا الْأَيْتَام يَوْمًا فعَسْكرا
وَهل كَانَ فِي أزْد الْكُوفَة مثل الْمُهَلّب بْن أَبِي صُفْرة الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر:
إِذا كَانَ الْمُهَلَّبُ من ورائي ... هدا لَيْلِي وَقَرَّ لَهُ فؤادِي
وَلَم أخشَ الدَّنِيَّة من أناسٍ ... وَلَو صَالُوا بقوةِ قومِ عادِ
وَهل كَانَ فِي عَبْد قَيْس الْكُوفَة مثل الْحَكَم بْن الْمُنْذر بْن الْجَارُود، الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر:
يَا حَكَمَ بنَ الْمُنْذِرِ بْن الجارودُ ... أَنْت الجوادُ ابنُ الْجواد المحمودْ
سُرَادِقُ المجدِ عَلَيْك مَمْدُودْ
حكم نذر الْكِتَابِيّ إِذا أسلم
قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا رَأَيْتُ مثل هَذِهِ الْغَلَبَة.

1 / 401