في هذه الحالة البائسة وجد سيدريك اليهودي ومعه ابنته ومريضها الجريح، كما سبق أن ذكرنا، وسرعان ما وقعوا بعد ذلك في قبضة دي براسي وأعوانه. كانت دهشة دي براسي كبيرة عندما اكتشف أن المحفة تضم رجلا جريحا تصور أنه وقع في قبضة الخارجين عن القانون الساكسونيين، واعتقد أن اسمه قد يمثل حماية له ولأصدقائه لديهم، فجهر لهم بأنه ويلفريد أوف إيفانهو.
عندما وصلوا إلى توركويلستون، وبينما كان فارس الهيكل وسيد تلك القلعة عازمين كل منهما على تنفيذ خططه الخاصة، فأحدهما كان يطمع في كنز اليهودي والآخر في ابنته، نقل مساعدو دي براسي إيفانهو، تحت اسم الرفيق الجريح، إلى غرفة بعيدة. وهنا انتقلت مسئوليته إلى أورفريد، أو أولريكا، كما كانت تدعى حقا، ولكن إذ كان عقلها يستعر بذكرى ما قاسته من إيذاء وبالآمال في الانتقام، اقتنعت بسهولة بأن تتولى ريبيكا أمر الاعتناء بمريضها.
عندما وجدت ريبيكا نفسها مرة أخرى إلى جوار إيفانهو، شعرت بالدهشة من إحساسها بالسعادة الشديدة. وعندما كانت تتحسس نبضه وتسأله عن صحته، كانت ثمة نعومة في لمستها ونبرات صوتها، ينمان عن اهتمام أكثر حنوا مما قد يسرها التعبير عنه طواعية، ولكن جاء السؤال الذي كان يتسم بالبرود من إيفانهو حين قال «أهذه أنت أيتها الفتاة الكريمة؟» ليجعلها تتمالك نفسها. وكانت الأسئلة التي سألتها للفارس حول حالته الصحية بنبرة تنم عن صداقة هادئة. أجابها إيفانهو بأنه أصبح بصحة جيدة كما توقع، بل أفضل مما توقع، قائلا: «شكرا يا عزيزتي ريبيكا على مهارتك النافعة.»
قالت الفتاة لنفسها: «إنه يدعوني عزيزتي ريبيكا، ولكن بنبرة فاترة ولا مبالية لا تتناسب مع الكلمة. إن جواد حربه وكلب صيده أعز عليه من اليهودية المحتقرة!»
استطرد إيفانهو قائلا: «إن أثر الكدر الذي يعتري ذهني بفعل القلق يفوق، أيتها الفتاة الكريمة، أثر الألم الذي يعتري جسدي. ومن أحاديث هؤلاء الرجال الذين كانوا يحرسونني قبل قليل، أعرف أنني سجين في قلعة فرونت دي بوف. وإن كان ذلك صحيحا، فكيف سينتهي ذلك الأمر، أو كيف يمكنني حماية روينا وأبي؟»
قالت ريبيكا بينها وبين نفسها: «إنه لا يذكر اليهودي أو اليهودية، ولكن أي نصيب لنا فيه، وكم كان عقاب السماء عادلا على تركي لأفكاري تسترسل بشأنه!» ثم أسرعت في إعطاء إيفانهو المعلومات التي كان بإمكانها أن تخبره بها، ولكنها لم تزد على أن فارس الهيكل بوا جيلبرت والبارون فرونت دي بوف كانا هما القائدين داخل القلعة، التي كان يحاصرها من الخارج أناس لا تعرفهم.
تزايدت داخل القلعة الضوضاء التي كانت ناجمة عن التجهيزات الدفاعية التي كانت شديدة لبعض الوقت، لتصبح عشرة أمثالها في الصخب والجلبة. وسمعت أصوات الفرسان وهم يستحثون أتباعهم أو يوجهون وسائل دفاعهم، لكن أصوات اصطدام الدروع أو الصيحات الصاخبة لمن يخاطبونهم كانت كثيرا ما تطغى على أوامرهم. توقدت عينا ريبيكا عندما رددت، فيما يشبه الهمس لنفسها، النص المقدس: «عليه تصل السهام ... سنان الرمح والمزراق ... صياح القواد والهتاف!»
كانت نفس إيفانهو تستعر بنفاد صبر ضيقا من خموله، وبرغبته المحتدمة في الاشتراك في القتال.
قال: «ليت بوسعي أن أجر نفسي إلى تلك النافذة هناك، فأتمكن من رؤية كيف تسير هذه المباراة الشجاعة. لا جدوى، لا جدوى؛ فأنا خائر القوى وأعزل!»
أجابت ريبيكا: «لا تقلق أيها الفارس النبيل؛ فقد توقفت الأصوات فجأة. من المحتمل ألا يكونوا قد انخرطوا في القتال.»
صفحة غير معروفة