وعلى نصب عثر عليه في «صان الحجر» بمحافظة الشرقية، نجد حكايات عن سفن البلست الضخمة، ونقوشا تصورهم يلبسون خوذات ذات قرون ويحملون دروعا مستديرة، ويمتشقون سيوفا طويلة ضخمة، وهو النصب الذي روى لنا كيف صد الفرعون «مرنبتاح بن رمسيس الثاني» هجومهم، ليردهم عن الحدود المصرية.
أما في فلسطين ذاتها فقد نظم «البلست» أنفسهم عندما دخلوها، في هيئة ممالك صغيرة مستقلة في إدارتها، منها جرار وغزة وعسقلان وأشدود وجازر وغيرها، لكن ضمن اتحاد فيدرالي مركزه الرئيسي مدينة أشدود، أما قوتهم العظيمة فتكمن فيما نعلمه من نصوص مصر ومن التوراة، أنهم صنعوا أدوات القتال من الحديد، وأن الحديد كان عندهم مادة اعتيادية ووفيرة حتى إنهم صنعوا منه عجلاتهم المقاتلة.
وكل هذا إنما يعني ببساطة القول: إن الفلسطينيين جاءوا المنطقة كعنصر دخيل، قادم من كريت وبحر إيجه، وهو أمر يشكل عمودا لأعمال بحثية كثيرة تشكل الخلفية التاريخية للأحداث التي تجري في منطقتنا، منذ قيام دولة إسرائيل مرة أخرى في عام 1948م. (3-2) ماذا تقول التوراة؟
إذا التاريخ قال: إن الفلسطينيين جاءوا مهاجرين من كريت إلى فلسطين، ليستقروا بها زمن الفرعون «رمسيس الثالث» حوالي عام 1180 قبل الميلاد؛ أي بعد خروج بني إسرائيل من مصر بحوالي خمسين عاما، ومعلوم أن كبرى المدارس البحثية قد استقر رأيها على خروج الإسرائيليين من مصر زمن الفرعون «مرنبتاح ابن رمسيس الثاني» حوالي عام 1229 قبل الميلاد.
ومثل ذلك التاريخ وتلك التزمينات تستتبع عددا من النتائج والدلالات؛ حيث تقول التوراة: إن الإسرائيليين قد سبق لهم أن استقروا بفلسطين قبل زمن الدخول إلى مصر بحوالي خمسة قرون، وهو ذلك الزمن الأسطوري الممتد من إبراهيم إلى إسحاق إلى يعقوب المسمى إسرائيل، وأنه إذا كان الإسرائيلي والفلسطيني وافدين على كنعان، غريبين عليها، فإن إبراهيم كان داخلها الأول حيث سكن بين أهلها الكنعانيين وتكلم بلسانهم، وذلك قبل مجيء الهجرة الفلسطينية بحوالي ستة قرون كاملة. «هذا كلام، لكن التوراة نفسها لها كلام آخر وقول آخر فمادا تقول التوراة؟»
أولا:
لقد جاء إبراهيم وأسرته الصغيرة إلى أرض تسميها التوراة أرض كنعان، قادما من موطنه «أوركسديم»، وإن إبراهيم قد تنقل في كنعان بين عدة مواضع، أهمها ذلك الموضع المعروف بمملكة «جرار» التي كان يحكمها ملك اسمه «أبي مالك»، وتصف التوراة تلك المملكة بأنها مملكة فلسطينية، وذلك في قولها: «وتغرب إبراهيم في «أرض الفلسطينيين» أياما كثيرة» (سفر التكوين، 21).
ثانيا:
يتكرر ذكر جرار بذات التوصيف في زمن إسحاق بن إبراهيم في قول التوراة «فذهب إسحاق إلى «أبيمالك ملك الفلسطينيين» إلى جرار، وزرع إسحاق في تلك الأرض فأصاب في تلك السنة مائة ضعف، فحسده الفلسطينيون» (سفر التكوين، 26).
هكذا، ومع إبراهيم أول رجل مهم في التاريخ التوراتي، نجد مملكة باسم «جرار» توصف بأنها فلسطينية، وهو ما يعني اعترافا من جانب التوراة، بوجود العنصر الفلسطيني في فلسطين، قبل زمن الأب إبراهيم بزمن أبعد، يسمح بإقامتهم ممالك مستقرة. ويصبح القول: إن «هيرودوت» أول من أطلق على أرض كنعان اسم فلسطين قولا مردودا بشهادة التوراة ذاتها، أما عند خروج الإسرائيليين من مصر، فنجد نصا توراتيا صريحا يسمى أرض كنعان بكاملها وليس جرار وحدها باسم فلسطين، وذلك في قوله: «يسمع الشعوب فيرتعدون، تأخذ الرعدة سكان فلسطين» (سفر الخروج، 15)، وفي نبوءة متأخرة للنبي اليهودي «صفنيا»، نجده يخاطب تلك الأرض بلسان اليهود قائلا: ««يا كنعان أرض الفلسطينيين»، إني أخربك بلا ساكن» (سفر صفنيا، 2).
صفحة غير معروفة