الإنسان والحيوان والآلة: إعادة تعريف مستمرة للطبيعة الإنسانية
تصانيف
ويطلق على المستوى الأول «الوعي التام» وعلى الثاني «الوعي الظاهري». ويكمن المستوى الأول في إدراك حيوان ما للعالم المحيط به والأماكن التي يتعين عليه المرور بها والأماكن الممتعة والبغيضة التي قد يتوجه إليها وإدراكه للبشر أو الحيوانات التي تعامله برفق أو التي تشكل تهديدا له. فنجد أن كل الفقاريات من الحيوانات قد تمتلك نوعا من الوعي التام خلافا لما كان قد افترضه فيلسوف مثل نيكولا مالبرانش (انظر الفصل السادس). فتشهد كل سلوكياتها على وجود هذا النوع من الوعي الذي قد تمتلكه أيضا الرخويات شديدة الذكاء مثل الأخطبوط. (1-1) اختبار المرآة
غالبا ما نقصد «بالوعي الظاهري» «إدراكنا لوعينا» أي الوعي بالذات عن طريق التفكير، وهو شديد الأهمية في نظر الإنسان، ونفضل تسميته «الوعي التأملي» إذا استخدمنا التعبير الدارج. ونظرا لأن الحيوانات لا تتحدث عن وعيها، فيبدو من الصعب معرفة ما إذا كانت تمتلك هذا النوع من الوعي التأملي أم لا، إلا أن العلماء قد ابتكروا اختبارا يسمى «اختبار المرآة» ويسمح بتكوين فكرة عن هذا الأمر. وفيما يلي مبدأ هذا الاختبار: عندما يخلد شمبانزي إلى النوم نرسم على الجانب الأيسر من جبينه على سبيل المثال بقعة ملونة، وعندما يستيقظ وينظر في المرآة سيسعى إلى محو هذه البقعة، ما يفترض أنه تعرف على نفسه في المرآة وأنه لا يعتقد أن الأمر يتعلق بشمبانزي آخر. فعلى الأقل يسمح هذا الاختبار إذن بإبراز وجود وعي تأملي لدى الشمبانزي. وقد نجح الاختبار ذاته لدى الفيلة، ومن المرجح أنه سينجح أيضا في الأعوام القادمة لدى عدد كبير من الثدييات والطيور الأكثر «ذكاء».
وعلى صعيد البنية المخية، نعرف أن مقر الوعي يوجد في الجزء الأعلى من المخ أي في القشرة المخية الموجودة لدى كل الفقاريات من الحيوانات، والتي يمتلك الأخطبوط مثيلا لها. أما التفكير الإدراكي فمقره في المناطق الأكثر ارتفاعا من القشرة المخية المتطورة بصورة خاصة لدى الثدييات، التي تسمى القشرة الجديدة، أو في مناطق قد تلعب الدور ذاته لدى بعض الطيور. وبلا شك فإن تقنيات التصوير المخي التي تسمح إلى حد ما برؤية مناطق المخ التي تنشط خلال بعض العمليات العقلية، ستتوصل في المستقبل إلى تحديد المناطق الخاصة التي تنشط مع ظهور الوعي التأملي. (1-2) حدود الوعي
فيما يتعلق بالوعي، يتعين أيضا أن نذكر نتائج شائقة للغاية توصلت إليها العلوم البيولوجية التي تقترح أن الوعي بالنسبة إلى عالم الكائنات الحية ربما لا يحظى بالأهمية التي نوليها إليه نحن البشر، وأن أهم السلوكيات التي يقوم بها الإنسان قد تكون نابعة من المخ في غياب الوعي.
وهذا ما تؤكده الأعمال الشهيرة للباحث الإنجليزي بنجامين ليبت وزملائه (1983). وبطريقة أبسط، يسجل هؤلاء الباحثون الظواهر العقلية الكهربية لدى بعض الأشخاص الذين يطلب منهم اتخاذ قرار للقيام بحركة بسيطة، كالضغط على زر على سبيل المثال. وتوجد أمامهم ساعة تسمح لهم ب «رؤية» الوقت الذي يتخذون فيه القرار. فتسمح التسجيلات العقلية الكهربية التي يقوم بها العلماء بإظهار أن المخ قد اتخذ بالفعل (بصورة لا واعية) القرار، أي العامل الذي سيدفعهم إلى الحركة قبل أن يعي هؤلاء الأشخاص أنهم قد اتخذوا القرار بمئات من الملي ثوان. وفي الواقع يمكننا أن نرصد في التسجيلات العقلية الكهربية إشارة كهربية محددة و«لا واعية» تعلن عن الحركة قبل الرصد المدرك الذي يقوم به الأشخاص للساعة بمئات من الملي ثوان.
وتكون إذن النتائج التي يمكننا استخلاصها هي أن مخنا «المستحدث» عبر التطور الطويل لأسلافنا الحيوانات يعتبر قبل كل شيء آلية مرنة جدا سمحت لأسلافنا باتخاذ كل القرارات المفيدة لبقائهم (بصورة لا واعية) وتؤدي لنا اليوم الخدمات ذاتها. فقد يتخذ مخنا إذن دون علمنا أي قرار مفيد بالنسبة لنا ولن يخبرنا به (بصورة واعية) إلا بعد مرور مئات من الملي ثوان مما يوحي لنا (أو يوهمنا) بأننا نتخذ عن وعي قرارا يكون قد اتخذ بالفعل نيابة عنا دون وعينا. وحينئذ لن تكون حرية الاختيار التي نتفاخر بها إلا أوهاما.
وقد أثبتت العديد من الأبحاث الأخرى في مجال العلوم العصبية هذه النظرية مثل «الرؤية العمياء» التي تظهر أنه في بعض حالات العمى المرتبطة ليس بعجز في العين بل باضطرابات في منطقة القشرة المخية التي تضطلع بإدراك ما نراه، يستطيع الإنسان «الرؤية» والتوجه والقيام بأعمال مناسبة كاختيار الأشياء دون أدنى وعي بما يقوم به.
وتظهر هذه التجارب أنه يتعين بلا شك جعل مفهوم الوعي نسبيا، هذا المفهوم الذي يعتز به الإنسان، إلا أنه فيما يتعلق بالقرارات غير الفورية حين يضطر الحيوان المتطور أو الإنسان أن يوازن بين الإيجابيات والسلبيات في موقف ما ويشغل هذا التفكير حيزا كبيرا في عقله، تظهر فائدة الوعي وطبقاته المختلفة. وهكذا يبدو أن آلية لا واعية كتلك التي وصفها ليبت لا تستطيع تفسير العمليات الفكرية أو القرارات الكبرى لدى الإنسان مثل الزواج أو الطلاق أو تغيير الديانة أو إثبات مبرهنة رياضية أو تأليف كتاب أو حتى لعب الشطرنج.
فيبدو أن الوعي ضروري للغاية لمثل تلك القرارات أو العمليات المعقدة، وهذا بالطبع سبب اختيار التطور له لدى الحيوانات الأكثر تطورا! (2) هل يمكن أن تكون الآلات واعية؟
إن التساؤل حول امتلاك الآلات لأشكال محتملة من الوعي هو طريقة لاستكشاف التفسيرات المختلفة لهذا المصطلح. (2-1) هل يمكن أن تكون الآلات واعية بذاتها؟
صفحة غير معروفة