فأجابتها ديوني، الربة الفاتنة، بقولها: «تشجعي، يا طفلتي، واحتملي آلامك؛ لأن كثيرين منا نحن الساكنين فوق أوليمبوس، قد نالهم الأذى على يد البشر، بأن جلب بعضهم المصائب المحزنة على البعض الآخر. وهكذا عانى «أريس» عندما كبله «أوتوس» و«إيفيالتيس» القوي - أبناء ألويوس - بالأصفاد القاسية، فرقد مغلولا في زنزانة من البرونز ثلاثة عشر شهرا، وعندئذ كان لا بد أن يهلك أريس، الذي لا يمل القتال، لولا أن «أيريبويا» الفاتنة، زوجة أبي ولدي ألويوس، أخبرت هيرميس - رسول الآلهة - فسرق أريس، الذي كان وقتئذ مكروبا غاية الكرب؛ إذ كانت تؤلمه قيوده المحزنة. وهكذا تألمت هيرا عندما أصابها ابن أمفتريون القوي بسهم ذي ثلاثة أسنة فوق ثديها الأيمن، فألم بها ألم لا يمكن تخفيفه بأية حال من الأحوال. وهكذا أيضا عانى «هاديس» المتوحش، كما عانى غيره، من سهم مرير، يوم أن ضربه نفس هذا الرجل - ابن زوس حامل الترس - في «بولوس»، وسط الأموات، وتركه نهبا للآلام. بيد أنه ذهب إلى منزل زوس وإلى أوليمبوس الشاهق بقلب مثقل بالحزن، مفعم بالآلام؛ لأن السهم اخترق كتفه القوية، وأزعج روحه، ولكن «بايون» نثر على الجرح عقاقير تقتل الألم، أدت إلى شفائه؛ لأنه لم يكن في الحقيقة من الجنس البشري، بل كان إلها متهورا، يقوم بأعمال العنف، ولا يكف عن الشرور، حتى لقد أثار بسهامه حفيظة الآلهة التي تقطن في أوليمبوس. ذلك هو الشرير الذي سلطته عليك الربة أثينا، ذات العينين النجلاوين. وإنها لحماقة من ابن توديوس ألا يعرف أن من يقاتل الخالدين لا يعمر طويلا، ولا يلتف أطفاله حوله عندما يعود من الحرب والمعارك الطاحنة المفزعة. والآن دعي ابن توديوس، رغم ما هو عليه من قوة، أن يكون على حذر خشية أن يقاتله من هو أقوى منك. وقد لا يمضي وقت طويل حتى توقظ «إيجاليا» ابنة أدراستوس الحكيمة، أهل بيتها من نومهم، بنواحها المتواصل وهي تبكي زوجها الذي اقترنت به، والذي هو خير رجل بين الآخيين، إنه «ديوميديس» مستأنس الخيول.»
قالت هذا، وأخرجت المصل بكلتا يديها من الذراع، فشفيت الذراع، وزالت الآلام المبرحة، ولكن ما إن أبصرتها أثينا وهيرا، حتى انطلقتا تغضبان زوس، ابن كرونوس، بألفاظ السخرية. وكانت الربة ذات العينين البراقتين هي أول من قالت: «أبي زوس، هل تغضب مما سأقوله لك؟ من المؤكد الآن أن «كوبريس» كانت تحث إحدى الآخيات على تعقب الطرواديين الذين تحبهم الآن حبا عجيبا، وبينما هي تعانق إحدى نساء آخيا الجميلات الملبس، خدشت يدها الرقيقة في دبوسها الذهبي.»
وإذ قالت ذلك، ابتسم أبو البشر والآلهة، واستدعى أفروديت الذهبية وقال لها: «لم تجعل أعمال الحرب لك يا طفلتي، كلا، بل عليك أن تسعي وراء شئون الزواج المحبوبة، أما شئون القتال كلها فستكون مهمة أريس السريع وأثينا.»
هجوم مضاد من «طروادة»!
وبينما كانوا يتحدثون هكذا، الواحد إلى الآخر، هجم «ديدميديس»، الماهر في صيحة الحرب، على أينياس، ولما كان يعلم أن أبولو نفسه كان يحميه ويبسط ذراعيه فوقه، كأنه لم يشعر بأي خوف من الإله العظيم، بل كان لا يزال مصمما على قتل أينياس وتجريده من عدته الحربية المجيدة. فهجم عليه ثلاث مرات، يريد في حماس أن يقتله، ولكن في كل مرة، كان أبولو يدفع ترسه اللامع إلى الوراء، غير أنه عندما هجم عليه للمرة الرابعة، صاح فيه أبولو الذي يضرب من بعيد صيحة مفزعة، قائلا: «فكر، يا ابن توديوس، واهرب، لا تضع نصب عينيك أن تكون روحك كروح الآلهة، ما دام عنصر الآلهة لا يشبه بأية حال عنصر البشر الذين يسيرون فوق الأرض!»
فلما قال هذا، تراجع ابن توديوس إلى الوراء قليلا، اجتنابا لغضب أبولو الذي يضرب من بعيد، وبعدئذ أخذ أبولو أينياس بعيدا عن الحشد إلى بيرجاموس المقدسة حيث أقيم معبده، فعالجته هناك الربتان «ليتو» و«أرتيميس» حاملة القوس، في المحراب الكبير، ومجدتاه، غير أن أبولو ذا القوس الفضية صنع شبحا في صورة أينياس، يرتدي حلة مدرعة كحلة أينياس، فراح الطرواديون والآخيون الأماجد يتقاتلون حول الشبح، ويضربون الدرقات المصنوعة من جلود الثيران، والتي تغطي صدر كل منهم. والتروس المستديرة، وخصلات الشعر المدلاة على أكتافهم. ثم تحدث أبولو إلى «أريس» الثائر قائلا: «أي أريس، يا أريس يا جالب الهلاك للبشر، ويا مدمر الأسوار، الملطخ بالدماء، ألا تدخل المعركة الآن وتقصي عنها هذا الرجل، ابن توديوس هذا الذي يستطيع الآن أن يقاتل حتى ضد الأب زوس؟ فقد أصاب كوبرس
12
أولا، وهو يقاتلها وجها لوجه، بجرح في يدها عند الرسغ، ثم هجم علي أنا نفسي كما يهجم على إله.»
قال هذا ثم جلس فوق قمة بيرجاموس، ودخل أريس المخرب وسط صفوف الطرواديين، في صورة «أكاماس»
13
صفحة غير معروفة