856

وهنا نكته: توضح غفلة المعترض، وهي أن قول الله تعالى في سورة الأنعام: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون، ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين، انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} وإنا قلنا أن هذه النكتة توضح غفلته؛ لأنه زعم أن عباد الأصنام قد ينحتون بما ذكره من الباطل مما بيناه، ولو كان الأمر كما توهمه من أن الله تعالى هو الموجد لعبادتهم للأصنام ولاتأثير لهم فيها أصلا لكانت هذه حجة عظيمة، قائمة علىسيدنا إبراهيم عليه السلام، بل تكون حجة لهم يوم يقدم الأشهاد، فلا يحتاجون إلى أن يكذبوا على أنفسهم، وينكرون أنهم كانوا مشركين، كما أخبر الله عنهم في هذه الآية، وهل حجة أكبر وأعظم من إظهار كمال البراءة .......التأثير مهم في الشرك، فقد غفل المعترض عن هذا الواضح، وتكرر التنبيه عليه لأجل إكمال النصائح، وبيان غفلة المعترض وجهله في اشتغال تقرير أمثال هذه الفضائح، ولم يلتفت أدنى التفات إلا يأتيه الباطل من.......بين يديه، ولا وهو مشحون بالأدلة الدالة .......وما جاء به ......الخازية من عند الإنظار.....ما فيه يحسن أن نختم هذا الكلام بإيرادها، وهي أن سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه وعلى آلهما الصلاة والسلام قد احتج على عباد الأصنام احتجاجا .......كما حكاه الله عنه من قوله عزوجل: {أتعبدون ما تنحتون..} الآية. المذكورة آنفا وغيرها من الآيات الناطقة بأن العقول السليمة تأبى عبادة ما لايملك نفعا ولا دفعا، فما تلاه المعترض من قول الله تعالى: { أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} واقع به وبأصحابه المجبرة، ومن الغرائب غفلته عن صريح آخر هذه الآية الكريمة، أي قوله تعالى: {أفلا تعقلون} فإنه احتجاج عليهم بمحض العقل، وتقريع لهم بسوء فعلهم، وقبح صنيعهم في العبادة لمن لايستحقها في نظر العقول الصحيحة، فكيف صح وجاز في عقولهم لو كانوا يعقلون عبادة أحجار وجمادات لا تملك نفعا ولا دفعا؟ وكيف لم ستقبحوا اختصاصها بالعبادة من دون الله تعالى وهو النافع الدافع على الإطلاق، وهو في نظر العقول الحقيق بالعبادة، والمستحق للعبودية له سبحانه وتعالى دون غيره من سائر الأشياء......يعقل ومالايعقل فضلا عن الجمادات والأحجار، فمن عبدوها حقيقون بأن يسفهوا بالتسفيه والتقريع الشنيع، والذم والتوبيخ الفضيع، وأن يقال لهم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقون؛ لأنهم خالفوا مقتضى حكم العقل الذي هو حجة الله علىالعبد، ولذا احتج سبحانه وتعالى بالعقل في مواضع، ووبخ من عدل عن حكمه أي العقل، كهؤلاء الذي قيل لهم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون، فيالك من حجة على المعترض في هذه الآية الكريمة، إذ لا خفا في أن هذا مناف لمذهبه ومذهب مشائخه الأشاعرة، ولهذا أنكروا الفرق بين التوحيد والشرك، وقالوا: أنه لا فرق بينهما إلا من حيث استمرار العادات، واستقرار الشرائع والنبوات، كما مر نقله عن شرح المقاصد، وهو معروف من مذهبهم ما........في كتبهم، والمعترض إنما اشتغل بالتشكيل والأشكال ولم يخطر له ماعليه من الوبال ببال [452]ثم إنه ما اكتفى بما طوله من المجال الذي كله مزالق وأوجال، ولم يقع فيه على غير الإعتراض بمذهب الإعتزال من حيث لايشعر فيما أطال، بل هو دائر يروم تصحيح الضلال، وتوضيح المحال، فاسمع ما قال:

صفحة ٩٦٣