459

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

الناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

وقد يعتبر (١) فيهما بلحظ آخَرَ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ عَمَلًا تَكْلِيفِيًّا، وَالثَّانِي نَتِيجَتَهُ، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ اتِّصَافَ الظَّاهِرِ (٢)، وَالثَّانِي اتِّصَافَ الْبَاطِنِ، وَمَجْمُوعُهُمَا هُوَ التَّصَوُّفُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالتَّصَوُّفُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا بِدْعَةَ فِي الْكَلَامِ فِيهِ، لأنه إنما يرجع (٣) إلى التفقه (٤) الذي (٥) يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَتَفْصِيلُ آفَاتِهِ وَعَوَارِضِهِ، وَأَوْجُهِ تَلَافِي الْفَسَادِ الْوَاقِعِ فِيهِ بِالْإِصْلَاحِ، وَهُوَ فِقْهٌ صَحِيحٌ، وَأُصُولُهُ (٦) فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ، فَلَا يُقَالُ فِي مَثَلِهِ بِدْعَةٌ، إِلَّا إِذَا أَطْلَقَ على فروع الفقه التي لم يُؤْلَف (٧) مِثْلُهَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَنَّهَا بِدْعَةٌ، كَفُرُوعِ أَبْوَابِ السَّلَمِ، وَالْإِجَارَاتِ، وَالْجِرَاحِ، وَمَسَائِلِ السَّهْوِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَاتِ، وَبُيُوعِ الْآجَالِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْبِدْعَةِ عَلَى الْفُرُوعِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِيمَا سَلَفَ، وَإِنْ دَقَّتْ مَسَائِلُهَا، فَكَذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى دَقَائِقَ فُرُوعِ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَرْجِعُ إِلَى أُصُولٍ شَرْعِيَّةٍ (٨).
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي (٩) فَهُوَ عَلَى أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: يَرْجِعُ إِلَى الْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ عَلَى السَّالِكِينَ، إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ نُورُ التَّوْحِيدِ الْوِجْدَانِيُّ، فَيُتَكَلَّمُ فِيهَا بِحَسَبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ، وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي النَّازِلَةِ الْخَاصَّةِ، رُجُوعًا إِلَى الشَّيْخِ الْمُرَبِّي، وَمَا تبين (١٠) له في تحقيق

=شوق .. "، ثم ذكر أن بعضهم يرى بقاءه، وبعضهم يرى أنه يأتي ويزول.
انظر: الرسالة (١/ ٢٠٦).
(١) في (خ) و(ط): "يعبر".
(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "بلفظ".
(٣) في (ت): "الظر".
(٤) في (ط): "يرجل".
(٥) في (خ) و(ط): "تفقه".
(٦) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).
(٧) في (غ): "أصوله" بدون الواو.
(٨) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "يلف".
(٩) في (غ): "الشريعة".
(١٠) وهو قولهم أن التصوف: الفناء عن نفسه والبقاء بربه.
(١١) في (م): "يبن"، وهي غير واضحة في (ت)، وفي (خ) و(ط) و(غ) و(ر): "بين".

1 / 353