وعلمية يستحفظ عليها العلماء، وقد تلقوها بالقبول.
ويظهر أن عبد الله هو الذي رتب المسند بالوضع الذي نراه الآن. وحاول أن يغير ذلك الترتيب، وجعله على نسق آخر - محدثون وحفاظ من بعده، فلقد كانت همته أن يجمع المتناثر الذي جمعه أبوه، ويزيد عليه قدرا قليلا يماثله. وكان يروي مسند كل صحابي، ولقد قال الذهبي في نقد ذلك الترتيب: "ولو أنه حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد، فلعل الله تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه، ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوى على أكثر الحديث النبوي، وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه... وأما الحسان فما استوعبت فيه، بل عامتها إن شاء الله تعالى فيه، وأما الغرائب وما فيه لين، فروى من ذلك الأشهر، وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربع، ومعجم الطبراني الأكبر، والأوسط". ويقول الجزري في ترتيبه، ومحاولة تقريبه: "أما ترتيب هذا المسند فقد أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ الإمام الصالح الورع أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت رحمه الله، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك، كترتيب الأطراف، وتعب فيه كثيرا.
ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل ابن عمر بن كثير رحمه الله أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وأجهد نفسه كثيرا، وتعب فيه تعبا عظيما، جاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله، فإنه عوجل بكف بصره، وقال لي رحمه الله تعالى: "لازلت أكتب فيه إلى الليل، حتى ذهب بصري معه، ولعل الله يقبض من يكمله"
٤٥- وهكذا نرى أن عبد الله قد سار في ترتيب مسند أبيه سيرا وجده المحدثون من بعده صعبا في المراجعة، ويخالف في نهجه ما سارت عليه كتب الحديث من قبله ومن بعده؛ فالموطأ من قبله، والجوامع الصحاح من بعده كلها مرتبة على حسب الموضوعات الفقهية للأحاديث، وغير الفقهية، فالأحاديث التي يجمعها باب واحد تجمع تحت عنوان ورتبت على حسب ترتيب كتب الفقه تقريبا، كذلك نهج موطأ مالك، وكذلك نهج
162