صلى الله عليه وسلم ، قد لزم أصحابه قوم ثم لم يزل يكون للرجل أصحاب يلزمون ويكتبون. قال: من كتب؟ قلت أبو هريرة .. وكان عبد الله بن عمر يكتب. فقال لي فهذا الحديث!! فقلت له، فما المسائل إلا حديث، ومن الحديث تتشقق))(١)
فهذا الكلام يدل على أمرين: (أحدهما) أن أحمد رضي الله عنه كان يكره أن تنقل عنه المسائل؛ وأنه استحيا أن يمنع من يكتبها، فكتبت عنه تحت سلطان الاستحياء (ثانيهما) أن صاحبه مازال به حتى استطاب ذلك، وزال عنه كرهه له، أو خف ذلك. ولقد ورد أيضا في كتاب (المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد) أن إسحاق بن منصور الكوسج المروزي المتوفى سنة ٢٥١ نقل وأن الإمام أحمد رجع عن المسائل التي نقلها عنه، بجمع إسحاق تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره. وخرج راجلا إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيا، وأعجب أحمد من شأنه (٢)
٣٩ - وينتهي بنا الأمر في هذا إلى أن أحمد كان يعد نفسه محدثا قبل كل شيء، وأن فتاويه ينبغي أن تكون كلها من نبع الأثر، لا يفتي إلا به، فلما ابتلاه الله بالاستفتاء في حوادث لم يقع من الصحابة نظيرها، اضطر إلى الفتوى باجتهاده ورأيه، واعتقد أن هذه ضرورة تقدر بقدرها، ولا يصح أن تنقل عنه، لأنها ضرورة لا تتجاوز موضعها، ولا يصح أن يجري فيها القياس، ولا أن تنشر، ولكن أصحابه مازالوا به حتى رضي بأن تكتب عنه فتاويه، وأن تنشر تلك الفتاوى بين الناس، وأنه خير للناس أن يأخذوا بفتاوى قد تشققت من الحديث، والاقتداء فيها واضح، والاتباع بين - من أن يأخذوا بفروع فقهية لم تكن قوية الصلة بالحديث والأثر، مثل فتاويه، لأن أصحابه لم يكونوا في مقام من الحديث، كمقام أحمد فيه وإمامته.
ومن نهى أحمد عن الكتابة، واضطراب المصادر، في إجازته، وكثرة المروي واتساع أبوابه، حتى لقد جمعت فيه المجلدات الضخمة - قد ثار الغبار، ولكنه غبار لم يثبت عند أهل النظر السليم الدقيق.
(١) المنهج لأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، وهو مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ٤٣٢٣ تاريخ - الجزء الأول ص ٢٠٠
(٢) راجع الكتاب المذكور ص ١٤٩
157