237

حجة الله البالغة

محقق

السيد سابق

الناشر

دار الجيل

رقم الإصدار

الأولى

سنة النشر

سنة الطبع

مكان النشر

بيروت - لبنان

(من أَبْوَاب الْإِيمَان)
أعلم أَن النَّبِي ﷺ لما كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْخلق بعثا عَاما، ليغلب دينه على الْأَدْيَان كلهَا بعز عَزِيز، أَو ذل ذليل - حصل فِي دينه أَنْوَاع من النَّاس، فَوَجَبَ التَّمْيِيز بَين الَّذين يدينون بدين الْإِسْلَام، وَبَين غَيرهم، ثمَّ بَين الَّذين اهتدوا بالهداية الَّتِي بعث بهَا، وَبَين غَيرهم مِمَّن لم تدخل بشاشة الْإِيمَان قُلُوبهم، فَجعل الْإِيمَان على ضَرْبَيْنِ:
أَحدهمَا الْإِيمَان الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ أَحْكَام الدُّنْيَا من عصمَة الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَضَبطه بِأُمُور ظَاهِرَة فِي الانقياد وَهُوَ قَوْله ﷺ: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة فَإِذا فعلوا ذَلِك عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام وحسابهم على الله " وَقَوله ﷺ: " من صلى صَلَاتنَا، واستقبل قبلتنا وَأكل ذبيحتنا، فَذَلِك الْمُسلم الَّذِي لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله، فَلَا تحفروا الله فِي ذمَّته " وَقَوله ﷺ: قلت من أصل الْإِيمَان الْكَفّ عَمَّن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله لَا نكفره بذنب وَلَا نخرجهُ من الْإِسْلَام بِعَمَل " الحَدِيث.
وَثَانِيهمَا الْإِيمَان الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ أَحْكَام الْآخِرَة من النجَاة والفوز بالدرجات، وَهُوَ متناول لكل اعْتِقَاد حق، وَعمل مرضِي، وملكة فاضلة، وَهُوَ يزِيد وَينْقص، وَسنة الشَّارِع أَن يُسمى كل شَيْء مِنْهَا إِيمَانًا ليَكُون تَنْبِيها بليغا على جزئيته، وَهُوَ قَوْله ﷺ: " لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ " وَقَوله ﷺ: " الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده " الحَدِيث، وَله شعب كَثِيرَة، وَمثله كَمثل الشَّجَرَة يُقَال للدوحة والأغصان والأوراق وَالثِّمَار والأزهار جَمِيعًا: إِنَّهَا شَجَرَة، فَإِذا قطع أَغْصَانهَا، وخبط أوراقها، وخرف ثمارها قيل: شَجَرَة نَاقِصَة، فَإِذا قلعت الدوحة بَطل الأَصْل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿

1 / 277