هداية الراغبين إلى مذهب العترة الطاهرين
بسم الله الرحمن الرحيم
[مقدمة المؤلف]
اللهم وفق وسدد وأرشد يا كريم وصلى الله على محمد وآله:
الحمد لله الذي أيد علوم العترة النبوية بأئمتها، واقتاد الأفهام إلى رياضها العلوية بأزمتها، وهدى ذوي المعارف لاستخراج فرائد أكنتها، وراض بأفكارهم جوامح فوائدها في أعنتها، نحمده أن جعل أئمة العترة أطواد الإيمان، وأسباب الأمان، قرن بهم القرآن، فهم والكتاب الثقلان، ونظمهم في سلك الفرقان، فظهر فضلهم على الناس وبان، أنوار أقمار علومهم أقمار سماء العرفان، وأطواد حلومهم أوتاد الأرض من الميدان، هم عرى الحق المشبهون يوم الطوفان بالسفينة، أبناء باب المدينة، وأسباط فاطمة الأمينة، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة.
صفحة ٤٣
أخذوا الكلمة عن آبائهم، وتوارثوا الرواية بأبنائهم، فإسنادهم سلاسل الذهب، وكلامهم قواعد المذهب، متصل علم أولهم بآخرهم، ذلك أدنى فضائلهم ومفاخرهم. [الطويل]
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .... بهن فلول من قراع الكتائب
جمعوا بين فضيلتي العلم والجهاد، وألفوا في المحاسن بين الأشتات والأضداد، إذا تأمل علومهم المتأمل وفكر في فنونهم المفكر، لم يعترضه الشك في أنها علوم من قصر نفسه على التصنيف دهره، وأنه كلام من لا حظ له في غير التأليف عمره، ولا يكاد يوقن بأنها علوم من ينغمس في الحرب إذا حمي الوطيس، وكلام من شخصه للرماح يوم الكفاح مغناطيس، يلبس أحدهم لامة حربه وهو يلقي مسائل التدريس، ويركب جواده لقتال أعدائه وهو يفتي أعجب من فتاوي محمد بن إدريس. [المنسرح]
قوم بلوغ الغلام عندهم .... طعن نحور الكماة لا الحلم
إن ركبوا الخيل غير مسرجة .... فإن أفخاذهم لها حزم
فإن هدأوا وأمد الليل رواقه، ولبس جيده أطواقه؛ رتلوا القرآن في الصلوات، وأسبلوا على الخدود واكف العبرات، وواصلوا بين الركوع والسجود، ووصلوا صلاة الصبح بالعشاء والناس هجود ، شنشنة توارثوها كابرا عن كابر ، وحلية أورثوها عن أسرة في الفضل ومنابر.
صفحة ٤٤
وتراهم إذا رقصت المعضلات أرباب الدراية، ورنحت المشكلات أطواد الهداية، يصدرون أجوبتها غضة طرية، تارة مما نقحته الفكرة النبوية ، ومرة مما خزنته الحافظة النبوية؛ فجواباتهم في النظريات مطبقة لمفاصل الصواب، وفي النقليات مؤيدة بالسنة والكتاب.
وموضع التعجب من سعة علومهم مع سعة أعاديهم، وبقاء مذهبهم على كثرة معاديهم، وما زالت الأموية والعباسية والنواصب من الحشوية والنوابت من البكرية جادين في محو منارهم، ومجتهدين في طمس آثارهم.
ثم إن من عرف محنتهم ومجهول منتهم، أن يقوم الداعي منهم إلى كتاب الله تعالى كالهادي والمنصور، وأمثالهما من أئمة تلك العصور، قد جمع شرائط الإمامة المعتبرة شرعا، وكملت فيه أوصافها أصلا وفرعا، فتصم الأمة عن استماع دعوته، فيكون السبب لأكثرهم في عداوته، ما دعا قائمهم أهل زمانهم إلا حدجوه بأعيانهم، ورفضوه بإمكانهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم، وليتهم إذ لم يجيبوا دعوته لم يمزقوا فروته، وإذ لم يقبلوا حجته لم يعملوا بمكائدهم مهجته، وقد أحسن قائلهم حين أحزنته مقالتهم: [الخفيف]
جعلونا أدنى عدو إليهم .... فهم في أعراضنا آكلونا
أنكروا حقنا وجاروا علينا .... وعلى غير إحنة أبغضونا
وجزونا بالأسر والحبس والقت .... ل خلافا لما يقول أبونا
وأضاعوا الحقوق فينا ولم نع .... لم بأنا إليهم مذنبونا
غير أن النبي منا وأنا .... لم نزل في صلاحهم راغبينا
إن دعونا إلى الهدى لم يجيبو .... نا وكانوا عن الهدى ناكبينا
أو أمرنا بالعرف لم يسمعوا منا .... وردوا نصيحة الناصحينا
صفحة ٤٥
فعسى الله أن يديل أناسا .... من أناس فيصبحوا ظاهرينا وإذ قد تم حمد الله على أياديه العظمى، فإنا نعود إلى وصل جناحه بالشهادة حذرا من اليد الجذمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، أوجب فضله حمده، فله الحمد بالغدو والآصال بالقلم واللسان والأوصال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الإرسال، صلى الله عليه وآله خير آل، ما ملع رال ولمع آل. وبعد:
فلما رأيت مذهب العترة النبوية قد قل ناصره، وونت في هذا الزمان عناصره، ورغب عنه من كان فيه راغبا، وشغب فيه من كان لأضداده مشاغبا، رأيت أن أذكر ما إذا نظر فيه الناظر من المتمسكين به ازداد رغبة في التزامه، وإذا وقف عليه الواقف من المائلين عنه رجع إلى التنسك باعتقاده، والانخراط في سلكه ونظامه، هذا مع التأييد بالتوفيق، والرجوع إلى الإنصاف والتحقيق ، واطراح المكابرة، وترك ما نهى عنه من المراء في المناظرة؛ فأما من غلب حب المراء وغلب على قلبه، فقد ملك الشيطان قياده، وخرج عن طاعة ربه ، فنعوذ بالله من حب المراء والامتراء بارتضاع أخلافه ، ومناصبة الحق والاعتداء لمحبة خلافه.
صفحة ٤٦
وسميت هذا التأليف المبارك (هداية الراغبين إلى مذهب العترة الطاهرين) والله أسأله الإعانة والتأييد، والعصمة والتسديد؛ فما التوفيق إلا منه، ولا الاستعانة إلا به، ولا التوكل إلا عليه.
اعلم أنه قد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حديث افتراق هذه الأمة إلى نيف وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة ، روى هذا الحديث أئمة أهل البيت -عليهم السلام- ، ورواه علماء الحديث وفرق الإسلام، وادعت كل فرقة أنها هي الفرقة الناجية.
وروى حديث الافتراق الرازي في أول (مفاتيح الغيب) وقال ما لفظه: لقد جاء في الحديث المشهور قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلهم في النار إلا ملة واحدة)) قال: وهذا يدل على أن الاثنين وسبعين موصوفون بالعقائد الفاسدة.
وإذا أردنا أن نتكلم في أن أهل البيت عليهم السلام هم الفرقة الناجية ومن اتبعهم؛ تكلمنا في أربعة فصول:
الفصل الأول: فيما ورد فيهم من القرآن وآياته.
الفصل الثاني: فيما جاء فيهم من حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبيناته.
الفصل الثالث: في أن تقليدهم في الفروع واتباعهم أولى من غيرهم، لما خصهم الله به من هذه الفضائل الشريفة، والخصائص الزليفة، والمناقب المنيفة، وكلها دالة على فضلهم وشرفهم، وارتفاع درجاتهم وزلفهم.
الفصل الرابع: في ذكر أعيان أئمة الزيدية، وبيان أوصافهم الحميدة وأفعالهم السديدة.
صفحة ٤٧
[من هم أهل البيت(ع)]
وقبل [أن] نذكر هذه الفصول نقدم الكلام في أهل البيت من هم؛ حتى يصح لنا إيراد ما نورده من فضائلهم ومناقبهم، ونذكره من سمو درجاتهم ومراتبهم.
فمن ذلك: ما رويناه عن الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة -عليه السلام- قال من (صحيح مسلم) في الجزء الرابع منه من أجزاء ستة في آخر الكراسة الثانية من أوله، بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر [و]بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال [له] حصين: لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا ، رأيت رسول الله، وسمعت حديثه، وغزوت معه وصليت، لقد أوتيت يا زيد خيرا؛ حدثنا ما سمعت عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.
قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فما حدثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تكلفونيه.
ثم قال: قام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فينا خطيبا بماء يدعى (خما) بين مكة والمدينة؛ فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: ((أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه النور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به -فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال:- وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) .
فقال الحصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟
صفحة ٤٨
فقال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
هذه رواية الإمام المنصور بالله -عليهم السلام-.
ومن (كتاب المستوفى) لأبي الخطاب ذي النسبين في تفسير آل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: والذي علمنا رسول الله فيما صح باتفاق: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) أي ذريته، وليس له ذرية إلا من سيدة نساء أهل الجنة، أم أبيها فاطمة الزهراء البتول، وهم الذين حرموا الصدقة.
أخرج مسلم في صحيحه من طريقين بأسانيد ثم قال: حدثنا محمد بن بكار بن الريان، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، عن سعيد -وهو ابن مسروق- عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم، قال: دخلنا عليه فقلنا: لقد رأيت خيرا، لقد صاحبت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وصليت خلفه.
صفحة ٤٩
وساق الحديث بنحو حديث ابن حيان غير أنه قال: ((ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله عز وجل وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلاله)) ثم قال في حديث أبي حيان: وزاد مسلم فيه: ((فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به -فحث على كتاب الله ورغب فيه- ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، وأذكركم الله في أهل بيتي -ثلاثا-)) الحديث، وفيه: فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده، وهم: آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.
فثبت بهذا النص الصحيح ما فسره الصاحب الذي شهد نزول الوحي بتفسيره الصريح، هذا كلام أبي الخطاب.
صفحة ٥٠
وقوله: وشهد نزول الوحي بتفسيره الصريح، إشارة منه فيما أحسب إلى تصديق زيد بن أرقم في حديثه لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بما سمعه من عبدالله بن أبي في غزوة (بني المصطلق) حين قال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون:8] ، عنى بالأعز نفسه، وبالثاني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فسمعه زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله القليل الذليل، ومحمد في عز من الرحمن وقوة من المسلمين؛ فقال عبدالله: اسكت فإنما كنت ألغب؛ فأخبر زيد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم- لعبدالله: ((أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟)) قال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك وإن زيدا لكاذب، وهو قوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون:2] ، فقال الحاضرون: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا نصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم.
فروي أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال له: ((لعلك غضبت عليه؟)) قال: لا، قال: ((فلعله أخطأ سمعك؟)) قال: لا، قال: ((فلعله شبه عليك؟)) قال: لا.
فلما نزلت لحق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال: ((وفت أذنك يا غلام إن الله قد صدقك وكذب المنافقين)) .
صفحة ٥١
وهذا الكلام خارج عما نحن فيه، وإنما فسرنا به قول أبي الخطاب: (وشهد نزول الوحي بتفسيره الصريح) ويحتمل أنه أراد بنزول الوحي وهو الأقرب قول الله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا(33)} [الأحزاب] على ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، ونعود إلى تمام كلام أبي الخطاب في تحريم الصدقة على آل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.
قال: وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((كخ كخ -ليطرحها- ثم قال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة)) . هذا نص (صحيح البخاري) في كتاب الصدقة.
ونص (صحيح مسلم): أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فحطها في فيه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)) .
وثبت في (صحيح مسلم) حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وما قال له رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وللفضل بن العباس بن عبد المطلب، حين أراد والداهما أن يؤمرهما رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على الصدقات فلم يفعل، وقال لهما: ((إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس)) الحديث بطوله أخرجه مسلم في صحيحه.
صفحة ٥٢