ومن المتواتر - مع تصحيح تاريخ السنة كما سيأتي بعد - أن السيد المسيح ولد في أعقاب ثورة جائحة اشتعلت في أقاليم فلسطين اليهودية على الخصوص، وأهدرت فيها دماء الألوف من الغلاة وأتباعهم؛ لأنهم هبوا في وجه الدولة الرومانية محتجين على صدور الأمر بالإحصاء العام ، وليس الإحصاء بطبيعة الحال سببا من الأسباب لإشعال نار الثورة بين أبناء أمة مطمئنة، ولكنه أشعل نار الثورة فعلا؛ لأنه أثار بين الإسرائيليين خاصة مشكلتين قديمتين من مشاكل فلسطين: إحداهما مشكلة الاعتراف بملك غير «يهوا» الذي يؤمن الشعب اليهودي أنه هو الإله وهو الملك، وأن مبايعة الشعب لغيره كفر وخيانة يعاقبه عليهما بالضربات والمحن، ولا يغفرهما له إلا بعد كفارة تضيع فيها الأرواح والأموال، فإذا دان اليهودي لملك غير «يهوا» أو غير مسحائه المختارين فهو مطرود من رحمة الله، مستحق للعذاب والحرمان، وقد حسب الشعب الإسرائيلي أن الإحصاء مقدمة لفرض السيادة القيصرية عليهم فردا فردا وتقييدهم عبيدا للقيصر مطالبين بعبادته وافتتاح الصلوات باسمه، وكان فقهاء اليهود يذعنون للجزية، وهي تؤخذ منهم عنوة عن طريق الالتزام الذي لا يخص الأفراد بالأسماء، بل يؤخذ جملة على الأكوار والأقاليم، ولكنهم كانوا ينكرون أداء الجزية من ناحية المبدأ أشد الإنكار، ويحكمون بكفر من يجيزها، ويشترك في تحصيلها، وينبذونه من الجماعة، وينبذون معه من يعاشره ويتحدث إليه؛ ولهذا دبروا مكيدتهم للسيد المسيح؛ ليسألوه أمام جمهرة الشعب عن أداء الجزية هل يجوز أو لا يجوز، فأرسلوا إليه تلاميذهم من الهروديين قائلين: «يا معلم، إنك صادق تعلم بالحق ولا تبالي أحدا؛ لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، فقل لنا ماذا تظن؟ أيجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا يجوز؟» فكان جوابه المشهور: أروني معاملة الجزية! ونظر إلى الدينار الروماني! فسألهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فلما أجابوه أنها لقيصر، قال لهم: أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وأسكتهم جوابه؛ لأنهم لا يرفضون العملة القيصرية مع وجود العملة اليهودية، ولو كانوا يستنكرون أداءها حقا لأنكروا كسبها وادخارها، وقد كانوا يكسبونها ويدخرونها ما عدا طائفة الغلاة منهم، وهي التي ثارت عند تقرير الإحصاء العام.
أما المشكلة الأخرى التي أثارها تقرير الإحصاء، فهي مشكلة الضريبة، وعسف الجباة في تحصيلها؛ فقد كان اليهودي يؤدي ضريبتين؛ إحداهما للهيكل، والأخرى للدولة، وقد جاء في الأناجيل أن رسل الهيكل كانوا يطلبون ضريبة من السيد المسيح وتلاميذه، وأنه - عليه السلام - سئل مرة أن يؤديها فقال لتلميذه سمعان: ما تظن يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية؟ أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له التلميذ: بل من الأجانب. فقال السيد المسيح: إذن إن البنين أحرار. ولكنه عاد فأمر تلميذه بأداء الضريبة عنه وعمن معه من التلاميذ.
وقد كان أداء ضريبتين عبئا فوق طاقة الفقراء، ولكنه - مع العسف في تحصيل ضريبة الدولة - كان عبئا لا يطيقه الموسرون فضلا عن الفقراء؛ لأن الدولة كانت تحصل الضريبة بطريق الالتزام والمزايدة، فإذا حان الموعد السنوي فتح باب المزايدة، ومنح صاحب المزاد الراجح حق التحصيل طوال العام، وكان الجباة أو العشارون يأخذون لأنفسهم شيئا غير الذي يسلمونه للملتزم، وكان الملتزم يأخذ لنفسه شيئا غير الذي يسلمه لخزانة الدولة، فكان المال المحصل يربي على ضعفي المال المطلوب.
ولهذا كانت طائفة العشارين بغيضة إلى الشعب، وكان الشعب الإسرائيلي لا يغتفر لأناس منه أن يتجردوا لخدمة الملتزمين الأجانب، ويبتزوا المال حراما من أرزاق المعوزين، ومن ثم كان إنكارهم على السيد المسيح أنه كان يخاطب العشارين، ويدخل بيوتهم، ويستمع إلى مناجاتهم، ولكنه كان يستمع لهم، ويوصيهم بالأمانة في الجباية، يسألونه: يا معلم! ماذا نفعل؟ فيقول لهم: لا تستوفوا أكثر مما فرض لهم. ويقول للجند الذين يصاحبونهم: لا تظلموا أحدا، ولا تشوا بأحد، واكتفوا بعلائفكم. لأن الدولة كانت ترسل الجنود يجمعون طعامهم، وعلائف مطاياهم من الناس!
فلما صدر الأمر بالإحصاء العام، توهم الدهماء أن الدولة لا تكتفي بما تحصله جملة، وتنوي أن تزيد عليه ضرائب تستوفيها من الآحاد فردا فردا، مع الشطط في تحصيل ضرائب الالتزام، فاستجابوا داعي الثورة من الغلاة، وغضبوا لعقائدهم كما غضبوا لأرزاقهم، حين أمروا بالعودة إلى بلادهم ليسجلوا أسماءهم حيث ولدوا أو حيث يقيمون.
ومما لا خلاف عليه بين المؤرخين الشرقيين والأوربيين أن الحالة السياسية في فلسطين خاصة كانت على أسوأ ما تكون، ولكنها على إفراطها في السوء لم تبلغ مبلغ الحالة الاجتماعية في الدلالة على القنوط وعموم البلاء ، وحسب القارئ أن يتصفح الأناجيل كائنا ما كان اعتقاده فيها من الوجهة الدينية؛ لكي تتمثل له حالة البؤس واليأس التي كانت ترين على القرى والمدن في أقاليم فلسطين، ولا سيما إقليم الجليل الذي تواترت الروايات عنه، فحيثما سجل الإنجيليون رحلة من رحلات السيد المسيح بين القرى، فهناك أخبار عن العجزة والمرضى الذين يتعرضون لطلب الشفاء بعد اليأس من كل علاج، وبين هؤلاء مشلولون ومفلوجون ومجانين ومصابون بالخرس والصمم والعمى ويبس المفاصل والأطراف، بينهم من يقال عنه إنه جسده تسكنه الشياطين، أو يتناوب سكناه جملة من الشياطين بالليل والنهار، وكان بعض هؤلاء المرضى أطفالا، وبعضهم من الشبان والكهول في مختلف الأعمار، وهذا إلى أمراض البرص والنزيف والصرع الذي لا يقترن بالجنون.
وإذا كانت هذه الحالات البارزة، فإلى جانبها - ولا شك - حالات أخرى دونها في الشدة والبروز، تنم على الآفات الجسدية والنفسية التي فشت في ذلك المجتمع، وتركته مهيض الأعصاب، عرضة للسخط والهياج، ويضاف إلى هذا أن عصر الميلاد قد شهد في فلسطين طوائف شتى من الأساة الذين يطببون المرضى بالعلاج الروحاني، ويعتمدون على قوة الإيمان وطهارة المعيشة في التطبيب والعلاج، وإذا قلنا إن عصر الميلاد قد شهد عصرا مهيض الأعصاب، فنحن نلتفت التفاتا خاصا إلى هذه الظاهرة التي تشير إلى الحالة النفسية في جملتها، فليس أحوج من عصر كذلك العصر إلى السكينة وثقة الإيمان، وليس أشد منه تعطشا إلى التسليم والتطهير متى استراحت النفوس فيه إلى الهادي الذي يرجى على يديه التسليم والتطهير، فلم يأت أوان الرسالة المسيحية حتى كانت قد سبقتها رسالات تمهد لها، وتعمل في وجهتها عمل الرواد السابقين، وقد كان أقوى هؤلاء الرواد يحيى المغتسل أو يوحنا المعمدان، وإن لم يكن هو الرائد الوحيد في طريق الرسالة والنبوة، فجعل للتطهير رمزا من الاغتسال بالماء، وأثارها حملة شعواء على بؤرة الفساد في زمنه، وهو بلاط الملك هيرود، فإنها البؤرة التي استبيح فيها الفجور بالمحارم، والبناء بهن على غير شريعة، وقتل الإخوة والأبناء، وتدنيس العبادة والقداسة بالبذخ والجسارة على المنكرات ، فكانت جسارة النبي على التطهير كفئا لجسارة الطاغية الأثيم على الدنس والخيانة، وقضي على الرسول أن يكون عاجل الرسالة في حملته الصراح، وخرج من الميدان شهيدا يجر وراءه جثة ميت بقيد الحياة، فإن جسد هيرود قد أكله الدود قبل دفنه، وإن عهده قد وصف نفسه أصدق صفاته حين بذل رأس النبي هدية لراقصة مبذولة الجسد، ولا جرم يكون عصر «يحيى المغتسل» عصر رسالة عاجلة أو عصر ارتياد وتمهيد: هجمة من هنا وهجمة من هناك، ثم تبدأ المعركة التي تستوفي الميدان كله، ولا تنحسم ما بين صباح ومساء.
الحياة الدينية في العالم في عصر الميلاد
بلغت الدولة الرومانية على عهد الميلاد غاية مداها، ودخلت في حوزتها أمم العالم المعمور كله، ما عدا الشرق الأقصى، وأصبح من رعاياها أناس مختلفون في الجنس واللغة والعقيدة، فشوهدت في رومة، والإسكندرية، ونابلس، وبيت المقدس كل عبادة يدين بها البشر من تخوم الهند إلى الشواطئ الأطلسية، وكثر الحديث بين الناس عن الأرباب والأديان والمذاهب والعقائد، وتبادل المفكرون والفلاسفة البحث فيها بعد انتقال مدارس الحكمة والعلم إلى الإسكندرية، وتلاقى الحكماء والعلماء فيها من كل مذهب وكل عقيدة، وتعود الناس أن ينظروا إلى الأمور نظرة عالمية، وبخاصة بين أهل الدرس والتأمل والمطالب الروحية.
وأعظم من هذه النظرة العالمية أثرا في موضوعنا - حياة المسيح - أن عصر الميلاد قد شهد عدة موجات دينية تجري من الشرق، وتغمر بلاد الدولة الرومانية نفسها، ومنها العاصمة الكبرى، خلافا لما يسبق إلى الظن من غلبة العقائد تبعا لغلبة القوة السياسية.
صفحة غير معروفة