لأنك في كل لحظة تتغير ذاتا بتغير موضوع إدراكك، وهكذا يكون العالم - ذاتا وموضوعا - خلاقا أبدا جديدا أبدا، لا يدوم على حال واحدة لحظتين متتابعتين.
لكن الشيء إذ يتغير - كما نقول - تغيرا لا يقف تياره فهو إنما يفعل ذلك باطراحه لصفات واكتسابه لصفات أخرى هذا بديهي؛ إذ لو دامت للشيء صفاته لما طرأ عليه تغير، فلنا إذن أن نسأل: ومن أين للشيء المتغير صفاته الجديدة التي بها يتغير؟ إن تفسير ذلك محال، إلا إذا افترضنا وجود تلك الصفات وجودا كامنا، لا بد أن تكون هنالك كل الصفات الممكنة، وأن يكون وجودها «أبديا»؛ لأنها هناك منذ الأزل وستظل هناك إلى الأبد، حتى يتسنى للعالم أن يلبس منها ثوبا ويخلع ثوبا في تطوره الذي لا يقف لحظة، وفي تغيره الدائب الذي لا يفتر ولا يني، وإذن فهذا أفلاطون يتحدث من جديد! إذ لا فرق بين القول بوجود أشياء وجودا أزليا أبديا، وبين «المثل» التي جعلها أفلاطون قائمة كذلك في وجود أزلي أبدي، لتظل الأشياء الجزئية تخلق على غرارها،
36
أو قل كذلك إنه أرسطو يتحدث من جديد حديثه عن الوجود بالقوة والوجود بالفعل، فما هو موجود الآن بالفعل كان موجودا - قبل ظهوره - بالقوة، وهكذا يتحدث «وايتهد» إذ يقول: إن عملية التطور إن هي إلا عملية اختار متصل التركيبات وصفات كانت موجودة بالقوة، فأصبحت باختيارها موجودة بالفعل، ولعلك أيضا تدرك الشبه الشديد هنا بين «وايتهد» وبين «سانتايانا» حين قال إن هناك عالما للممكنات - أسماه بعالم الجوهر - يتحقق بعضه فيكون هو العالم الفعلي الواقع.
الفصل الثامن
تيارات أخرى معاصرة
(1) الوضعية المنطقية
سميت هذه الحركة الفلسفية المعاصرة بهذا الاسم؛ لأن أنصارها «وضعيون» بمعنى أنهم - كالعلماء - يريدون للإنسان أن يقف بفكره عند الحدود التي يستطيع عندها أن يقيم علمه على تجاربه وخبرته، وأن يثبت صدق أقواله إثباتا يستند إلى الملاحظة الحسية، وإذن فلا يجوز له أن يجاوز بشطحاته التأملية هذه الحدود، بحيث يزعم ما ليس في وسعه أن يستند فيه إلى الخبرة الحسية، وإلى هنا لا جديد في هذه الحركة؛ لأن «الوضعية» بهذا المعنى بدأت بصورة جادة منذ «كانت» و«أوجست كونت» اللذين كان من رأيهما كذلك ألا يعدو الإنسان - إذا ما تحدث عن العالم وما فيه - ظواهر الأشياء كما تقع له في خبرته، لكن هذين الفيلسوفين كليهما قد ظن أن وراء تلك الظواهر المشاهدة حقائق ليس في وسع الإنسان أن يدركها بأدواته الحسية، فكأنهما أرادا أن يقولا إن قدرة الإنسان على معرفة الكون محدودة، وإنه لو كان مركبا على نحو آخر لجاز أن يكون في مستطاعه إدراك ذلك الجانب الغيبي الذي يجاوز عالم الحس والشهادة، أما هؤلاء «الوضعيون المنطقيون» فيذهبون إلى غير هذا؛ إذ يعتقدون أن الأمر هنا ليس عجزا من الإنسان كما هو الآن، بل إن استحالة الحديث عن تلك الحقائق المزعومة وراء عالم الحس استحالة «منطقية» بمعنى أن كل عبارة يقولها قائل عن تلك الحقائق الغيبية المزعومة، لو حللناها، وجدناها فارغة من المعنى؛ لأنها استخدمت ألفاظ اللغة في غير ما وجدت له تلك الألفاظ، فكأنما المشكلات الفلسفية كلها، تلك المشكلات التي قيل عنها إنها مستعصية على الحل لعجز في قدرة الإنسان الفكرية، إن هي في حقيقة الأمر إلا «أشباه مشكلات»، وليست بالمشكلات الحقيقية، هي «أشباه مشكلات»؛ لأنها تضع المشكلة المزعومة على هيئة سؤال يتطلب الجواب، فإذا لم نجد للسؤال جوابا، قلنا إنه سؤال عسير، فوق مقدور الإنسان أن يجيب عنه، مع أن الأمر كله لا يزيد على خلط في استخدام العبارات اللغوية خلطا يوهم بأن السؤال المطروح سؤال كهذه الأسئلة التي يلقيها العلماء على أنفسهم، والتحليل المنطقي لأمثال هذه الأسئلة كفيل أن يفضح مواضع هذا الخلط، وهو بالتالي كفيل أن يمحو هذه المشكلات المزعومة من قائمة التفكير الجاد المنتج؛ ولهذا كانت الفلسفة عند الوضعيين المنطقيين تحليلا صرفا، لا تقول من عندها شيئا، بل تترك للعلماء حق الحديث عن العالم بما لهم من أدوات الملاحظة والتجارب العلمية، وعلى الفيلسوف واجب واحد، هو أن يحلل العبارات اللغوية التي يستخدمها هؤلاء العلماء - أو غيرهم - تحليلا يقوم على منطق اللغة ذاتها، وبذلك يفرقون بين ما يجوز قوله وما لا يجوز.
1
ولعله من الخير أن نذكر في إيجاز كيف نشأت هذه الجماعة من الفلاسفة المعاصرين؛ لأن نشأتها تلقي ضوءا قويا على اتجاهها؛ فقد نشأت أول أمرها في فينا عاصمة النمسا؛ ولذلك أطلق على أنصارها الأولين اسم «جماعة فينا»، ولا يزال هذا الاسم دالا على أنصار الحركة؛ لأن كثيرين من هؤلاء الأنصار الأولين لا يزالون هم قادة الحركة في الولايات المتحدة بنوع خاص، كان في جامعة فينا تقليد تراعيه؛ وهو أن يكون البحث الفلسفي فيها مناصرا للفلسفة التجريبية، ومنصرفا باهتمامه إلى العلوم الطبيعية، وبدأ هذا التقليد في تلك الجامعة منذ أن شغل «إرنست ماخ»
صفحة غير معروفة