ونصب أمام مخيلته حبل المشنقة كأنه الميزان الذي لا يفارقه. أدرك أن الموت يرصده، أن الشياطين تقتفي أثره، وراح يسجل في دفتر خاص الأيام في مرورها كما يسجل في الدفتر الآخر معاملاته التجارية. وغاب العالم القديم، كما غاب أهله وأهل حارته. طموحه في الفتونة، حبه، الآمال الحارة. لم يبق معه إلا المنفى والعمل والتقوى.
ووجد بادئ الأمر وحشة في بولاق. أجل إن المعالم متشابهة؛ فثمة السبيل وحوض الدواب والكتاب والزاوية وشيخ الحارة، طموحه في الفتونة، حبه الآمال الحارة، لم يبق معه إلا المنفي الناجي العظيم؟ ولم يثر في الناس فضولا ذا خطر؛ فبولاق ميناء نهري يلتقي عندها العديد من المراكب الشرعية كل يوم، ويؤمها الأغراب عبورا وإقامة؛ لذلك لا يلوذ بها الفارون من وجه القانون، ولا تضيق بالغريب، وهي ممتدة ومتفرعة، بخلاف حارته المكنونة، فتكاثف في أعماقه الغربة والضياع، ولكنها غربة مسربلة بالأمان على أي حال. ثمة وقت غير محدود لتأمل حياته، ودراسة مشاريعه، واحتضان نوازعه الثابتة للانتقام وفرض سيادة العدل. هكذا قبع الحالم الكبير في دكانه الصغير، يتعامل باللطف، ويدرع بالأمانة، ويقنع بالرزق الحلال، ويتحدى المجهول.
وقال له شيخ الحارة: الطيبون أمثالك نادرون.
فقال بأدب: من بعض ما عندكم. - ترى ما سبب هجرتك من الصعيد؟
فأجاب بدهاء وقلبه يخفق: كيف يسأل صعيدي عن ذلك!
فضحك الرجل، وواصل بدر الصعيدي قائلا: وأجدادي الأوائل من بولاق!
فقال الرجل وهو يتناول منه لفافة بدينة حافلة بالمتنوعات: جميل أن يحن الإنسان إلى أصله.
23
ثمة فتاة في الجانب الآخر من العطفة. ملمح من ملامح الحارة الثابتة. تدعى محاسن بياعة الكبدة. دكانها متحرك يمكن حمله بجهد قليل. طبلية موضوعة فوق قائم أسطواني من الجريد، منسوج الفراغات بالخوص المجدول، ترص على سطحها كبد العجول والضأن، يتوسطهما ميزان وساطور. والفتاة طويلة القامة، ثرية الأعضاء، ذات نظرة عسلية، فيها من الجاذبية بقدر ما فيها من حدة الطبع وطول اللسان.
يتوق الغريب إلى ما يؤنس وحدته ويبدد وحشة قلبه القلق. يتابع نشاطها باهتمام، يلاحظ عنفها بشغف. إنها مطمع كل شاب، وسرعان ما تشهر أسلحة الدفاع من لسان سام وأظافر حادة. إنه خير من الاستسلام، ولكن لم لم يطلبها ابن الحلال؟
صفحة غير معروفة