998

[6.114]

{ أفغير الله أبتغى حكما } قل يا محمد للمشركين الذين يبتغون غير الله حكما أفغير الله أبتغى حكما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبتغى غير الله حكما لكن قد يحتمل عند المشركين أن يبتغى حكما غير الله، ولذلك أمره الله أن يقول لهم ذلك، إنكارا عليهم، وهب أنه لم يحتمل ذلك عندهم، لكن أمر أن يقوله لهم ردا عليهم بطريق لطيف، هو أن الإنسان فى العادة والطبع لا يكره الخير لنفسه، فبانتفائه من غير الله حكما، يعلمون أن ابتغاء غير الله حكما غير صواب عنده، وقد سموه الأمين، وعرفوا صدقه، فلعله يخطر فى قلوبهم أن ينتفوامما انتفى. وكان مشركو قريش يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك قاضيا حكما يميز المحق منا من المبطل، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله { أفغير الله أبتغى حكما } أعنى نزلت الأنعام جملة وفها هذه الآية جوابا لهم على طريق التعجب والإنكار، كيف أطلب حكما يحكم بيننا، ويفصل المبطل من الحق غير الله، وقد حكم بيننا، والهمزة مما بعد الفاء أو داخلة على محذوف أى أأكفر فاطلب غير الله حكما، وغير مفعول لأبتغى، وحكما حال من غير، ولو كان نكرة لا يتعرف بالإضافة، أو غير حال من حكما، ولو كان حكما نكرة لتقدم الحال، وحكما مفعول لأبتغى، أو غير مفعول لأبتغى، وحكما تمييز، والحكم الذى لا يحكم إلا بالعدل وهو أخص من الحاكم. { وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا } الواو للحال، والجملة حال، وصاحب الحال ضمير أبتغى، كقولك جاء زيد والشمس طالعة، والكتاب القرآن، ومفصلا حال من الكتاب، ومعنى مفصلا مبين فيه الحق من الباطل، كيف أبتغى حكما غير الله، وقد حكم الله فى كتابه الذى أنزل ببيان ما هو الحق، فلا نحتاج إلى حكم مع حكم الله، ولا يصح حكم غيره، ومحصل قوله { أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا } أن القرآن مغن فى الحكم بيننا عن سائر الهبات من حيث إخباره بالغيوب، ومن حيث بلاغته، وكيف أبتغى حكما والحال أيضا أن التوراة والإنجيل شاهدان لى، وحاكمان لى بالصدق والنبوة والرسالة كما قال { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون } من الكتاب وهو التوراة، والإنجيل وهم اليهود والنصارى { أنه } أى الكتاب الذى أنزل مفصلا وهو القرآن { منزل من ربك بالحق } مقترنا، الحق بأهل الكتاب يعلمون أنه رسول الله، والقرآن من عند الله، ولكن ينكرون عنادا وحسدا، ومن لم يقرأ الكتاب من اليهود والنصارى، ولم يسمعه ولم يفمه، ففى حكم من علمه لوضوح دلائله بحيث تدرك بأدنى تأمل، ويجوز أن يراد أهل الكتاب الذين آتاهم الكتاب من قراءة، أو سمعه وعلمه لا مطلق اليهود والنصارى، وقيل المراد بالذين آتيناهم الكتاب علماء الصحابة، ورؤساؤهم كأبى بكر وعمر وعلى، هذا فالكتاب القرآن لا التوراة والإنجيل، ويجوز أن يراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، والجملة معطوفة على جملة الحال قبلها، وقرأ ابن عامر وعاصم من طريق حفص عنه بفتح نون منزل وتشديد زايه.

{ فلا تكونن } يا محمد لفظا لكونه الإمام، والمراد أمته معنا لأنها التى يمكن امتراء بعضها فى أنه رسول الله، والقرآن من الله، دونه صلى الله عليه وسلم، أو يا كل من يمكن منه الامتراء، وكل أحد ينبغى أن لا يمترى لوضوح الدلائل، أو يا محمد على طريق ازدياد التمكن والمبالغة فى الصدق، أو يا محمد على أن الامتراء فى أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن من الله، فهذه أربعة أوجه. { من الممترين } من الذين يشكون فى أنه منزل من ربك، وأنك رسول منه، أو فى أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك، وهذان الوجهان كل واحد سائغ فى جميع الأوجه الأربعة يترجح الأول فى الثلاثة الأولى والثانى فى الرابع.

[6.115]

{ وتمت كلمة ربك } أى معلوماته، أى كملت لا زيادة عليها، لأنه لا يجهل ولا تبدو له البدوات ولا نقص منها لتحقق علمه، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم

" قد جف القلم بما كان وما يكون "

فهو صادق فيما أخبرنا به منها، وعادل فيما حكم به منها كما قال. { صدقا وعدلا } أى صادقات، أو ذوات صدق، أى أخبر بها وعادلات، أو ذوات عدل إذا حكم بها، فهما حالان من الكلمات، ودخل فى ذلك ما فى القرآن من الخير والحكم، أو الكلمات ما أنزل الله من كلمات فى كتبه، ومنها القرآن، وفى غير الكتب كوحى ما ليس من الكتاب، أو الكلمات كلمات القرآن، ففى هذين الوجهين يكون التمام بمعنى بلوغ الغاية فى الصدق، من حيث ما هو خبر، ودخل فيه الوعد والوعيد، وبلوغ الغاية فى العدل من حيث ما هو حكم. ويجوز أن يراد بالكلمات لفظ القرآن لا باعتبار أخباره وأحكامه، بمعنى أنه بلغ الغاية فى الإعجاز، دالا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وعادلا فى حكمه، بحيث لا يبقى احتياج إلى معجز آخر، وآية أخرى، فضلا عن أن يطلب آيات سواه، والنصب أيضا على الحال، ويجوز أن يكون على التمييز أو التعليل ، أى لصدق وعدل، وقرأ الكوفيون ويعقوب كلمة ربك بالإفراد، وفيه ما فى قراءة الجمع من الكلمات، لأن المفرد يجوز أن يراد به الجمع إذا أضيف، لأن الإضافة تكون للاستغراق أو للعهد وللحقيقة، فالاستغراق ظاهر، وكذا الحقيقة، والمعهود القرآن أو الكتب كلها، ووجه إخراجه سمى الكلمات كلمة لانضباطها فى التصديق والصدق، وكونها حجة وإعجازا، وهذا فى القرآن. { لا مبدل لكلماته } أى لا أحد يبدل معلوماته التى قضاها بزيادة أو نقص، أو جعل شئ فى مكانها لا أصدق منها، ولا أعدل ولا مساوى، بل لا صدق ولا عدل البتة فى مخالفة أمر الله، ودخل فى ذلك أن الشقى لا يسعد، والسعيد لا يشقى، وذلك أن التبديل بمعنى التغيير، والزيادة على الشئ والنقص منه تغيير لحاله، وتبديل بحال أخرى، فإن كون الشئ ثلاثة غير كونه اثنين، فلا راد لقضائه، ولا خلف لوعده ووعيده، أو لا مبدل لما أنزل الله تبديلا مستمرا، فربما بدل شئ ثم يظهر الحق. ويجوز أن يراد بالكلمات كتب الله، فإنها ولو بدلت لكن لا يستمر بأن يظهر الحق بعد، كما حرف اليهود وظهر تحريفهم، وأن يراد القرآن الكريم وحده، وعلى هذا الوجه يكون قوله { لا مبدل لكلماته } ضمانا من الله تعالى بالحفظ، كقوله تعالى

وإنا له لحافظون

ويجوز أن يراد لا وحى ولا كتاب بعد محمد صلى الله عليه وسلم، تبدل القرآن بالنسخ. { وهو السميع } أى الذى يسمع ما يقولون { العليم } أى العليم بما فى صدورهم وأحوالهم فيجازيهم على ذلك.

[6.116]

صفحة غير معروفة