997

" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تعوذت بالله من شيطان الإنس والجن؟ " فقلت يا رسول الله، وهل للإنس من شيطان؟ قال " نعم هم شر من شياطين الجن "

رواه الشيخ هود بلا سند، وكذا البغوى، ورواه الطبرانى بسنده، وكذا فى لفظ الشيخ هود أن أبا ذر رحمه الله قام إلى الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس "

إلخ وليس فى آخرهم شئ من شياطين الجن. قال أصحاب ذلك القول شياطين الإنس أشد كما فى الحديث، لأنه إذا عجز شياطين الجن عن أحد استعانوا عليه بشياطين الإنس، وتفسير الآية عليه ظاهر هو الصحيح، فشياطين فى الآية جمع يشتمل شياطين الإنس وشياطين الجن، ولذلك أضيف للإنس والجن، فالإضافة للتبعيض، أى شياطين بعض من الإنس وبعض من الجن، فهو كقولك شياطين الإنس وشياطين الجن. وقال عكرمة، والضحاك، والكلبى، والسدى، وابن عباس فى رواية عنه الشياطين من الجن فقط، وعليه فالإضافة للإنس والجن فى الآية لمجرد الملابسة لا تعرض فيها للتبعيض، ولو صلح التبعيض بالنسبة للجن، لكن لا يراد فى الآية لأنه قد جمع مع الإنس، والمعنى على هذا الشياطين الذين يلابسون الإنس والجن بالوسوسة، يوسوسون الجن كما يوسوسون الإنس، تارة يوسوس الجنى، وتارة يوسوس الإنسى، هذا هو الظاهر. وقال الكلبى قسم إبليس والعياذ بالله شياطينه قسمين أرسل قسما إلى الإنس، وقسما إلى الجن، فإذا التقوا أعلم هؤلاء ما يقولون، وأعلم هؤلاء ما يقولون، فذلك قوله { زخرف القول غرورا } وكل من الشياطين وباقى الجن من ذرية إبليس، واسم الجن يشملهم، وقيل الجن ليسوا من أولاد إبليس، والشياطين أولاده، وهذا قول من زعم أن إبليس من الجن، وأنه ليس أولهم، والصحيح أنه أولهم وأبوهم، والجن كلهم شيطانهم وغيره أولاده. { يوحى } يوسوس ويتكلم فى خفاء، والجملة مستأنفة أو حال من شياطين { بعضهم إلى بعض } أى يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس بالإغراء إلى الشر، ووجه آخر أن شياطين الإنس يوسوس بعضهم إلى بعض، وشياطين الجن يوسوس بعضهم إلى بعض، وإلى شياطين الإنس، ولفظ يوحى بعضهم إلى بعض صالح لذلك، وأيضا إذا فسرنا الوحى هنا بالمناجاة فقد يناجى الشرير من الإنس الشرير من الجن، إذا كان يتفكر فى الشر، وأيضا يناجى الكهان من الإنس الشياطين، وكذلك من يلتحق بالكهان من الأشرار، وعلى أن الشياطين من الجن فقط، فالمعنى أنهم يتناجون قد فعلت كذا وكذا من الشر فى الجن أو فى الإنس. { زخرف القول } مموه القول، أى القول الباطل القبيح فى الباطن، الحسن فى الظاهر، فإضافة زخرف إضافة صفة لموصوف، أى القول الزخرف { غرورا } مفعول لأجله منصوب بيوحى، أى يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروا به، أو حال من زخرف، أى حال كون ذلك الزخرف أو القول ذا غرور، أو حال من بعضهم، أى غارين، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أوشك الشياطين أن تجالس الناس فى مجالسهم وتفقههم فى الدين. وعن عبد الله بن عمر أن شياطين أوثقها سليمان بن داود فألقاها من وراء البحر أوشك أن تظهر حيث يقرأ الناس القرآن، وعن أبى موسى الأشعرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

" " أن إبليس اتخذ عريشا على البحر، فإذا أصبح ندب جنوده فقال أيكم فتن مسلما ألبسه التاج، فيجئ أحدهم فيقول لم أزل اليوم برجل حتى سب آخر، فيقول سوف يصطلحان، ثم يجئ آخر فيقول لم أزل اليوم برجل حتى عق والديه، فيقول سوف يبرهما، ثم يجئ آخر فيقول لم أزل اليوم برجل حتى زنى، فيقول أنت، ثم يجئ آخر فيقول لم أزل اليوم برجل حتى سرق، فيقول أنت، ثم يجئ آخر فيقول لم أزل برجل حتى شرب الخمر، فيقول أنت، "

، قال بعضهم فأعظمهم عنده منزلا أعظمهم فتنة، ومراده أنت أهل للتاج. { ولو شاء ربك ما فعلوه } ولو شاء ربك عدم ما فعلوه، أى ما فعلوا زخرف القول، أو ما فعلوا إيحاء زخرف القول، أو ما فعلوا التعادى، أو ما فعلوا ما ذكر من معاداة الرسل، أو ما فعلوا الغرور، أو ما فعلوا ما ذكر كله، وهذه الأوجه كلها فى هاء إليه أيضا، وفى هاء ليرضوه، وفى الآية رد على المعتزلة، إذ زعموا أن الله لا يشاء الكفر ولا يريده، وزعموا أن هذه مشيئة إكراه. { فذرهم وما يفترون } فاتركهم وافتراءهم، واتركهم والافتراء الذى يفترونه، فما مصدرية أو اسم موصول، وافتراؤهم هو كفرهم ومعاصيهم، إذ زعموا أنها حق، والمعنى لا يهمنك، ومن زعم أن المعنى اترك قتالهم، قال نسخ بآية السيف، قال قتادة كل ذر فى كتاب الله منسوخ بالقتال.

[6.113]

{ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } عطف على غرورا إذ جعلنا غرورا مفعولا من أجله، عطفا على المعنى، لأن المعنى للغرور، ويسمى فى غير القرآن عطف توهم، وإنما جئ بلام الجر ولم يقل وإصغاء أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة إليه بنصب إصغاء عطفا على غرور، لأن فاعل لتصغى، وفاعل عامل المغرور غير متحد فجر، بخلاف فاعل غرور وفاعل عامله فمتحدان، والجملتان بين غرور أو لتصغى معترفان، وإذا لم نجعل غرورا مفعولا من أجله لم يعطف عليه لتصغى، وعلى كل حال يجوز أن يعلق بمحذوف، أى وجعلنا لكل نبى عدوا لتصغى أو أوجدنا ذلك لتصغى، أو فعلنا ذلك لتصغى أو نحو ذلك، وإن يعطف على محذوف متعلق بجعلنا الذى ذكر فى الآية، أى ليغروا ولتصغى. إنما يصح التعليق بالجعل المذكر بواسطة العطف على محذوف، أو بالجعل المقدر مثله، إذ جعلنا الكلام منسحبا إلى قوله { يوحى } بأن جعلنا يوحى حالا من شياطين، وصغوا الأفئدة إليه كفر، وهو مع ذلك مراد لله تعالى، وكذا الرضا به فى قوله { وليرضوه } والمعتزلة منعوا ذلك، فجعلوا اللام للصيرورة أو للقسم، كسرت لما لم يؤكد الفعل بعدها بالنون، أو لام الأمر التهديدى، ويرده أن لام جواب القسم لا تكسر، أكد الفعل بالنون أو لم يؤكد، ولو زعموا أنها كسرت هنا فرقا بينها وبين لام الابتداء، وهذا أيضا مبنى على جواز دخول لام الابتداء على المضارع بلا تقدم لئن، أو دخول لسوف أو السين عليه، ولو كانت لام الأمر لحذفت الألف وثبوت حرف العلة مع الجازم ضرورة، وقيل لغة ضعيفة يعتبر أهلها عمل الجازم بعد تقدير الضمة، ولكن لضعفها لا يخرج عليها القرآن، ثم إنه أين نظيرها فى القرآن؟ ودعوى أن الألف للإشباع تكلف بلا داع، ثم إن حذف النون فى ليرضوه يضعف جعل اللام فى لتصغى لام جواب القسم، لأن العطف عليه، وادعاء أن النون حذفت تخفيفا تكلف، والصغو والصغى الميل، أى ولتميل إليه أفئدة، يقال صغا يصغو كدعا يدعو، وصغا يصغى كعلم يعلم، ولتميل إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فيتبعوه. { وليرضوه } لأنفسهم دينا { وليقترفوا } يكتسبوا ويتناولوا { ما هم مقترفون } إياه، وفسر الزجاج الاقتراف بالكذب، وهو تفسير بالمعنى المراد فى الآية، وإلا فليس الاقتراف فى اللغة الكذب، بل الاكتساب كما قال جل وعلا

ومن يقترف حسنة

ومع كونه تفسيرا بالمعنى يضعف من وجه آخر أيضا، وهو ليس المراد اقتراف ألسنتهم، بل المراد كسب السيئات فى القلب أو باللسان أو بالجوارح.

صفحة غير معروفة