1425

[14.15]

{ واستفتحوا } أى الكفار بمعنى طلبوا الفتاحة بالضم وهو الحكومة ظنوا أنهم على الحق وأن الرسل على الباطل فقالوا اللهم أهلك المبطل مما كذا ظهر لى فى مرجع الضمير، ثم رأيت عن ابن عباس أن الأمم قالوا اللهم إن كان هؤلاء صادقين فعذبنا وإن كانوا كاذبين فعذبهم وكذا قال ابن يزيد، وذلك كقول قريش اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الخ فآتنا بما تعدنا الخ. فأسقط علينا كسفا وعجل لنا قطنا، وقول أبى جهل يوم بدر اللهم اقطع عنا الرحم وآتنا بما لا نعرف فاحنه الغداة قال الكلبى لما دعا عليهم قال قومهم اللهم إن كانوا صادقين فأهلكنا أو كاذبين فأهلكهم { وخاب كل جبار عنيد } أى وخابوا يعنى هؤلاء الكفار المستفتحون وعبر عنهم بالظاهر فى موضع المضمر تشنيعا عليهم باسم جبار عنيدا وإيذانا بأن موجب خيلتهم كونهم جبارين معاندين وإن الخيبة جزء من اتصف بالجبارية والعنيدية والخيبة عدم فوزهم بما ظنوا من بطلان الرسل وهلاكهم وخسارتهم إذ كانوا هم الخاسرين الهالكين لبطلانهم دون الرسل وهنا حذف ففتح لهم وخاب كل جبار عنيد وأفلح الرسل والمؤمنون والجبار العاتى المتكبر عن طاعة الله وقيل الذى يجبر نقصه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها وهذا فى الإنسان وهو صفة ذم فيه وقيل من لا يرى فوقه أحدا وقيل المتعظم فى نفسه المتكبر عن أقرانه والمعاند من ينكر الحق ولا ينقاد له ويعرض عنه وقيل المعجب بما عنده وقيل المتكبر وقيل الضمير فى استفتحوا عائد إلى الرسل أى طلبوا من الله أن يفتح لهم على أعدائهم من الفتح ويحكم بينهم وبين أعدائهم من الفتاحة وهى الحكومة كما مر وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان أممهم دعوا عليها بالعذاب والهلاك وذلك قول مجاهد وقتادة وقيل الضمير للرسل وأممهم لأن الرسل استفتحوا على الأمم والأمم استفتحوا على الرسل وقوله استفتحوا معطوف على أوحى، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن واستفتحوا بكسر التاء الأخيرة على الأمر فيكون معطوفا على لنهلكن والقسم المقدر وذلك بإرادة اللفظ كأنه قيل قال لهم ربهم لنهلكن الخ وقال لهم استفتحوا بكسر التاء واستفتحوا بفتحها ففتح وخاب كل جبار عنيد.

[14.16]

{ من ورائه جهنم } أى من خلفه لأن جهنم لما لم تكن حاضرة بل غائبة كانت كالشىء الذى كان خلف الإنسان، وحقيقة الوراء ما توارى عنك وأنها تأتى بعد الدنيا وبعد موتهم كما قيل إن المعنى من وراء موته وما تأخر فهو وراء ما تقدم أو لأنه إذا بعث ووقف للحساب كانت خلفه أو لأنه قد أعرض عن الآخرة وتركها فكانت خلفه والتوجيه بذلك وهو الذى يظهر لى لا ما قال أبو عبيدة والطبرى أن { ورائه } بمعنى أمامه من الأضداد وأنا متعجب ممن يثبت هذا ونحوه مع أن له مندوحة عنه، والجملة نعت لكل أو لجبار { ويسقى } عطف على الجملة الاسمية قبله أو على محذوف تقديره يلقى فيها ما يلقى ويسقى { من ماء صديد } وهذا الماء الصديد أشد عذابها لجمعه الحرارة والمرارة والنتن والاستقذار فخص بالذكر مع إتيان الموت من كل مكان بعد التعميم بذكر جهنم وبالمحذوف المقدر ويجوز أن يقدر يدخلها ويسقى والصديد القيح والدم يسيل من جلود أهل النار أو من اجوافهم وهو بدل من ماء أو بيان وهو أولى لأن كونه مفسر للماء أظهر والصحيح جواز عطف البيان بالنكرة عندى لأن البيان قد يحصل بها بنفسها أو مع قيد بإضافة أو وصف أو تعليق ظرف بها ونحو ذلك وقد حصل البيان بها هنا.

[14.17]

{ يتجرعه } أى ينكف بلعه مرة أخرى ويجبر على بلعه والجملة حال من الضمير فى يسقى أو نعت لماء، { ولا يكاد يسيغه } لا يقارب أن يبلغه بسهولة وقبول نفس فضلا عن أن يبلعه بل يغص به فيطول عذابه ولا يخفى ما فى ذلك من المبالغة فإن نفى مقاربة الوقوع الشىء أبلغ من معنى وقوعه ويجوز أن يراد بالسوغ مجرد البلع أى لا يقارب بلعه فضلا عن أن يقع البلع أو لا يبلغه إلا بعد بطء تقول العرب ما كدت أفعل أى فعلت بعد بطء، وهذا الأوجه هى التى تقبل فى الصناعة والمعنى لا ما قيل أن يكاد زائد والأصل لا يسيغه ولا ما قيل أن الأصل ويكاد لا يسيغه فقدمت لا وخرج أحمد واستغربه والترمذى والنسائى والحاكم وصححه وغيرهم عن أبى أمامه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى قوله تعالى

" { ويسقى من ماء صديد يتجرعه } يقرب إليه فيستكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه أى جلدته فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم وقال إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه "

، { ويأتيه الموت } أى أسبابه من حيات وعقارب وأوجاع وجوع وعطش وغير ذلك، { من كل مكان } من كل جهة من الجهات الست أو ما يأتيه ألم الموت من كل موضع من جسده حتى إبهام رجله. قال إبراهيم التيمى حتى أصل كل شعرة. { وما هو بميت } فيستريح، { ومن ورائه } أى خلفه، { عذاب غليظ } أى يستقبله فى كل وقت عذاب أشد مما هو فيه والشىء المستقل لما لم يكن غير حاضر صح وصفه بأنه خلف لأنه لم يشعر به ولم ير فهو كالشىء خلف الإنسان، وفسر أيضا بأمامه وقيل العذاب الغليظ الخلود فى النار، وعن الفضيل ابن عياض حبس الأنفاس فى الأجساد، قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابن آدم ضعيف إنما تكفيه لدغة من نار، فأنزل الله كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، وعن ابن مسعود غلظ جلد الكافر سبعون ذراعا وضرسه مثل أحد وفخذه مسيرة يومين وتشتعل فيه مثل ما بينى وبين المدينة، وعن بعضهم لولا ذلك للهبتهم كما تلهب الذباب، وعنه صلى الله عليه وسلم

" يخرج عنق من النار يكلم بلسان طليق له عينان يبصر بهما ولها لسان تكلم به وتقول إنى أمرت بمن جعل مع الله إلها آخر وبكل جبار عنيد وبمن قتل نفسا بغير نفس فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمس مائة عام فيطوى سلبهم فيقذفهم فى جهنم "

وانتهى كلام موسى فى قوله المتوكلون حكى لقومه ما قالت الرسل لأممهم وما قالت أممهم لهم ثم ذكر الله جل وعلا ما قالت أيضا الأمم لرسلهم وما أوحى إلى الرسل وذكر الاستفتاح وما يتصل به إلى غليظ، ويجوز أن ينتهى كلام موسى إلى غليظ، قيل ويجوز أن يكون قوله واستفتحوا مستأنفا فى أهل مكة بمعنى استمطروا والفتح المطر فى سنى القحط التى أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا فذكر الله سبحانه ذلك وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى فى جهنم بدل سقياه ماء آخر وهو صديد أهل النار ومن فى زرعه دود أو جراد أو فأر فليكتب وقال الذين كفروا لرسلهم إلى غليظ فى أربعة ألواح من خشب الزيتون صبح الأربعاء قبل طلوع الشمس ويدفن فى كل ركن لوحا ويقرأ ذلك عند الدفن ثلاثا.

صفحة غير معروفة