1410

فإن الذين فيه مبتدأ، وأولئك لهم اللعنة خبره، وعلى الوجه الثانى فأولئك لهم عقبى الدار مستأنف، ذكر ما استوجبوا بتلك الصفات، وهن ثمانية كما قال الثعلبى عن ابن المبارك إن هذه الثمانى الخصال مسيرات إلى ثمانية أبواب الجنة. وكما قال أبو بكر الوراق هذه ثمان جسور، فمن أراد القربة عبرها، وهن الوفاء بالعهد، ووصل ما أمر الله بوصله، وخشية الله، والصبر لله، وإقامة الصلاة، والإنفاق، ودرء السيئة بالحسنة. وأما عدم نقض المشاق فأدخلاه فى الوفاء بالعهد، وإن أريد به عدم نقض ميثاق الخلق، وخص الوفاء بعهد الله بالوفاء بغير ميثاق الخلق كانت تسعة، والمراد من جمع تلك الخصال، فالعطف من عطف الصفات لموصوف واحد، أو أراد بكل منها من بالغ فيها، وأتى بالقدر الواجب من غيرها من الفرائض. { يوفون بعهد الله } أى بما عهد الله لهم فى كتبه، وعلى ألسنة أنبيائه من أمر ونهى، وسمى ذلك عهدا لأنه شئ وقع بينه وبينهم فيه أمر ونهى، وقد علموه، تقول لا عهد لى بكذا، أى لا اتصال لك به، ولا أعلم، أو سمى عهدا لأنه لوضوحه وظهوره واعتقادهم إياه كالشئ الذى أعطوا عليه عهدا وميثاقا، أو المراد ما عقدوه على أنفسهم حين عرفوا الله، ودخلوا العلم عاهدوا الله أن لا يخالفوه، أو ماعاهدوه حين خرجوا من آدم كالذر وقالوا أنت ربنا، وما ذكر أولى لعمومه، وأصل العهد العلم بالشئ ومراعاة شئ حالا فحالا، كما يقال فلان يتعاهد الضيف والمريض، أى لا يغفل عنهما. { ولا ينقضون الميثاق } بترك المأمور به، وفعل المنهى عنه، أو بترك الإقرار لله سبحانه وتعالى بالربوبية، وذلك تأكيد للوفاء بالعهد، ويجوز أن يراد به عدم نقض الميثاق فبما بينهم، وبالوفاء بالعهد الذى بينهم وبين الله، الذى لا حق فيه لمخلوق، فلا تأكيد، وأن مطلق عدم نقض الميثاق فيكون تعميما بعد تخصيص.

[13.21]

{ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } وهو الرحم، قال الله سبحانه

" أنا الله أنا الرحمن خلقت الرحم واشتققت له اسما من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته "

" وهى معلقة بالعرش تقول من وصلنى وصله الله، ومن قطعنى قطعه الله، ولا يدخل الجنة قاطعها "

ووصلها سبب لبسط الرزق وتأخير الأجل وللمحبة، بمعنى أن الله جل جلاله قد قضى فى الأزل بلا أول، أن رزق فلان يكثر أو يبارك له فيه، أو أن أجله يمتد إلى كذا، بأنه يصل رحمه، وأن كذا من رزقه أو أجله لأجل كذا، وأن كذا منه لأجل صلة رحمه، أو يخفى عن الملائكة شيئا من اللوح المحفوظ، أو لا يكتب فيه، فإذا أظهره لأجل صلة رحمه عد زياد للنظر إليهم. وليس المراد زيادة فى رزقه أو أجله غير مقضية فى الأزل كما زعم بعضهم قائلا إن له أن يفعل ما يشاء، فإن شاء ألا يبدل القول لديه، ولا تبدو له البدوات، وفى الحديث

" ليس الواصل بالمكافئ بل إذا قطعته الرحم وصلها "

وذلك قول الجمهور فى تفسير الوصل فى الآية. وقال ابن عباس الوصل بين أنبياء الله وكتبه وبالإيمان بالجميع، وعدم التفريق بينهما بالإيمان لبعض والكفر لبعض، والصحيح أن المراد ذلك كله، وأداء حق المؤمن والزوجة والزوج، والصاحب والجار، والخديم والمعاشر والمملوك، من رق أو دابة، ورفيق السفر، وأداء حق من لزمك له حق فى مال أو بدن أو عرض أو مشرك ولو مشركا، فمن لم يذب عن عرض المسلم وقد قدر، و لم يشفق عليه أو لم ينصحه، أو فرق بينه وبين نفسه، أو لم يسلم عليه ولم يعده مريضا، أو لم يحضر جنازته ميتا فغير مؤد لحقه، لكن يهلك بهذه الثلاثة ونحوها. قال الفضيل بن عياض لجماعة جاءته من خراسان فى مكة من أين أنتم.؟ قالوا من خرسان، قال اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن الإحسان كله، وكانت له دجاجة وأساء إليها لم يكن من المحسنين. وأن يوصل فى تأويل مصدر بدل اشتمال من الهاء، وإن قدرت فيه الباء فبدل أمن به. { ويخشون ربهم } يخافون وعيد ربهم، أو يخافونه مع تعظيم له، فإن أصل الخشية خوف يشوبه تعظيم. { ويخافون سوء الحساب } وهو أن يناقشوا فلا يغفر لهم ذنب، فحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا، وذكر هذا بعد ذكره خشية الرب سبحانه وتعالى، تخصيص بعد تعميم لعظيم هول سوء الحساب.

[13.22]

{ والذين صبروا } على الطاعة، وعن المعصية والشهوات ولو مباحات، وعلى المصائب، وعما يريده هواه، وهذا أولى من قول عطاء صبروا على المصائب، ومن قول بعض على الطاعة، ومن قول ابن عباس على أمر الله، ومن قول بعض عن الشهوات والمعاصى للعموم. { ابتغاء وجه ربهم } وجه الله هو الله، كما تقول نفس زيد، وذات زيد، والمراد صبروا طلبا لرضا الله سبحانه، وعلى ذلك يثابون، لا ليقال فلان صبور، أو لئلا يعاقب عليه الجزع فى نحو مصيبة، أو لئلا يعاقب على الجزع، أو لئلا تشمت به الأعداء، أو صبر عن معصية لعدم تيسرها، أو لعدم موافقتها طبعه أو نحو ذلك ما ليس لله، فإنه لا ثواب عليه، بل يعاقب على مسمعته وريائه. { وأقاموا الصلاة } إتمامها فى نفسها ووظائفها، والمراد المفروضة على ما يتبادر لى، وقيل المفروضة والنافلة، واختاره بعضهم، قال صلى الله عليه وسلم

صفحة غير معروفة