1292

[10.104]

{ قل يا أيها الناس } أهل مكة { إن كنتم فى شك من دينى } أنه حق، ومن صحة دينى وهو دين إبراهيم الذى تعرفونه، وأنتم من ذريته، وهو دينى مقبول معروف غير منكر فى العقول، ليس قابلا للشك، والجواب محذوف أى عوقبتم على ذلك، أو فلكم دينكم ولى دينى، وأناب عن ذلك قوله { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } وهم الأصنام التى عبادتها منكرة فى العقل، ينبغى لكم الشك فيها، إذ لا تضر ولا تنفع، بل أدوم على الدين المعروف دين إبراهيم، الذى لو نظرتم فيه بالإنصاف لوجدتموه الحق دون غيره، فاقطعوا عنى، أطماعكم كما قال فى الدوام على هذا الدين. { ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم } وصفه بالتوفى الذى هو أشد شئ على النفس تهديدا لهم، وزجرا وإيذانا بأنه الحقيق أن يخاف ويعرف ويعبد، أو مطابقة لاستعجالهم العذاب، أو لانتظارهم، أى ولكن أعبد الله الذى هو قادر على إهلاككم، ونصرى عليكم، أو إشارة إلى ما يترتب على التوفى من جزائهم بأعمالهم وأقوالهم واعتقادهم، أو لأن القادر على التوفى وهو إزالة الروح قادر على الإحياء وإجراء الروح، أولا وبعد الموت، فهو مغن عن ذكر الإحياء الأول والثانى، وخص بالذكر لما مر، وعلى كل حال ففى ذلك تعريض بأن الذين تعبدون من دون الله لا يقدرون على شئ من ذلك. { وأمرت أن أكون } أى بأن أكون، وحذف الجار قبل أن مطرد عند أمن اللبس، وعند قصد الإجمال، ويجوز أن يكون ذلك مما ورد فيه أمر ناصبا بلا ذكر ياء كقوله أمرتك الخير، وهو غير مطرد، كذا قالوا، وأقول الذى عندى أنه غير مطرد إذ أتى باسم صريح، وأما إذ أتى بأن أو إن فمطرد مطلقا. { من المؤمنين } بالدين المدلول عليه بالعقل والوحى، وذلك ذكر للإيمان القلبى بعد ذكر العبادة البدنية.

[10.105-106]

{ وأن } مفسرة لوقوعها بعد عاطف على معمول ما فيه معنى القول دون حروفه، ومصدرية كالتى قبلها بناء على جواز دخولها على الأمر لتضمنه معنى المصدر، كما يتضمنه الاخبار فباعتبار معنى المصدر صح، أو حسن العطف فيما بين الإخبار والطلب، لأن المقصود مصدراهما { أقم وجهك للدين } أى الدين، واللام على أصلها، أو بمعنى إلى، والمراد لوجه النفس، وقيل العمل، ولعل المراد بهذا القول أقم عمل وجهك، أى عمل نفسك، أى ذاتك، والمراد على كل الدوام على دين الإسلام أداء فرائضه وقيل المراد استقبال القبلة فى الصلاة. { حنيفا } حال من الوجه، لأن المراد به الذات أو الوجه الحقيقى فى الصلاة، أو من الكاف على هذا لأن المضاف بعضه أو من الدين، أى مائلا عن كل دين سواه، أو مائلا ذلك الدين عن سواه منحرفا عن الأباطيل التى فى سواه. { ولا تكونن من المشركين * ولا تدع } لا تطلب أو لا تعبد { من دون الله ما لا ينفعك } إن دعوته { ولا يضرك } إن لم تدعه وهو الأصنام، وحكم النهى هنا حكمه فى قوله

فلا تكونن من الممترين

ونحوه، وقيل معنى نهيه عن الشرك النهى عن الالتفات إلى غير الله بالكلية، ويسميه بعض بالشرك الخفى، ورسول الله منزه عنه أيضا. { فإن فعلت } أى دعوت ما لا ينفعك ولا يضرك { فإنك إذا من الظالمين } لنفسك بوضع الدعاء فى غير موضعه، والشرط والجواب لسؤال مقدر، كأنه قيل ما يلزم على دعاء الأصنام.

[10.107]

{ وإن يمسسك الله } يصبك { بضر } كمرض وفقر { فلا كاشف له } لا مزيل لذلك الضر { إلا هو } عبر هنا بالمس ليكون إشارة، إلا أن الضر غير مقصود بالذات، بل بالعرض، وأنه كالمصادمة للشئ لعارض الخروج عن الطريق. { وإن يردك بخير } عبر هنا بالإرادة إشارة إلى أن الخير مقصود بالذات، أو إشار بها إلى أنها مرادة فى الأول، وأشار بالمس فيه إلى أنه مراد هنا، فذكر فى كل ما حذف من الآخر إيجازا، ففى كل منهما إرادة ومس، ولكن أوجز بالحذف. { فلا راد } دافع { لفضله } لم يقل إلا الله كما فى الأول، لأن إرادة الله لا ترد بحذف المس، فإن الله يمس الإنسان بضر ثم يصرفه عنه، فإن المس صفة فعل، والإرادة صفة ذات، والأصل فلا راد له، فوضع الفضل موضع الضمير، ليدل على أن ما أراده من خير فضل لا وجوب عليه. { يصيب به } بالفضل وهو الخير، بواحد من الضمير والخير، ووجه هذا أن الكلام كان بأن الموضوعة للشك، تعالى عنه، فكأنه بأو، وأفراد الضمير بعد أو أحسن { من يشاء } بالمصلحة { من عباده وهو الغفور الرحيم } فأطيعوا راجين الرحمة، غير آيسين من الغفران بالمعصية، فإن جانب الخير راجح.

[10.108]

{ قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق } بيان الحلال من الحرام والقرآن، قيل أو رسول الله صلى الله عليه وسلم { من ربكم } فلا عذر لكم، ولا حجة على الله { فمن اهتدى } تبع الحق { فإنما يهتدى لنفسه } فإن نفع اهتدائه لها. { ومن ضل } عن الحق، أى زاغ عنه بعد وضوحه عنادا { فإنما يضل عليها } فإن وبال الضلال عليها { وما أنا عليكم بوكيل } حفيظ، وكل أمركم إلى، بل بشير ونذير، قال ابن عباس الآية منسوخة بآية السيف، ولا يصلح إلا إن أريد بها إلا من بالمسالمة، وعدم القتال، وليس ذلك بمتعين الجواز، أن يراد مجرد إخبار أن للإنسان ما سعى من خير أو شر، وأن الرسول بشير ونذير، وهذا ثابت قاتل، أو ترك القتال فلا نسخ هنا وهو الصحيح.

صفحة غير معروفة