{ ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا } حال مؤكدة لصاحبها، والظاهر أنه ليس المراد مشيئة إلجاء وقهر، بل المراد لو شاء لآمنوا باختيارهم، وفسرها جار الله فى غير موضع بمشيئة إلجاء، وكما هنا، وكنت أعرض عنه ولا أقبله، حتى رأيت القاضى فسرها بغير الإلجاء والقهر، وذكر أن ذلك دليل على القدرية فى أنه تعالى لم يشأ إيمان الناس أجمعين، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة. { أفأنت تكره الناس } بما لم يشأ الله منهم { حتى يكونوا مؤمنين } ليس إيلاء المسند إليه الهمزة مشعرا بأن هناك قادرا على الإكراه وهو الله تعالى، سوى المسند إليه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الله القادر عليه، فليس المعنى أنك لست قادرا على الإكراه وأن الله لو شاء لأكرههم ، كما قال جار الله، تبعا لتفسيره المشيئة قبل ذلك بمشيئة الإكراه، بل غاية ذلك الإبلاء أنه يفيد أن المستفهم عنه المسند إليه لا المسند، وإنما يشعر بذلك لو كان ذلك بالحصر مثلا أن يقال أفأنت المكره بتعريف الطرفين، مرادا به نفى الإكراه عنه، وإثباته لغيره، وإنما المعنى إنكار أن يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، لأن ذلك مخالف لمشيئة الله أن يؤمن بعض ويكفر بعض، فضلا عن أن تدخلهم فى الإسلام بالحث والتحريض. وفسر جار الله الإكراه بأن يخلق الله فى قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وذكر بعض أن ذلك منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، إذ ليس معناه يقبل النسخ بها، لأنه ليس المعنى أنك لا تكرههم بالسيف إلا إن التزم ذلك البعض هذا المعنى، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمانهم، فنزل ذلك وقرره بقوله
وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله
[10.100-101]
{ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } بإرادته وتوفيقه، فخفف عنك الهم { ويجعل } وقرأ أبو بكر بالنون { الرجس } العذاب أو الخذلان، فسماه باسم العذاب، وهو لفظ الرجس، لأنه سببه، أو شبه الخذلان بما هو خبيث منتن، فسماه باسمه وهو لفظ الرجس، وقيل الرجس العذاب والخذلان، وعن ابن عباس السخط، وقرأ بالزاى قابل الإذن بالرجس وهو الخذلان على ما مر، والنفس التى تؤمن بإذن الله بقوله { على الذين لا يعقلون } لا يفهمون دلائله للطبع على قلوبهم، أو لا يستعملون عقولهم بالنظر فيها، وهذا أنسب بقوله { قل انظروا } أى تفكروا { ماذا } اسم استفهام مركب مبتدأ خبره ما بعده، أو ما خبر وذا مبتدأ، وجاز العكس، وما بعد ذلك صلة ذا، وعلى كل حال فالجملة مفعول لانظروا، علق عنها النظر، وأجاز بعض أن يكون ماذا كله اسما واحدا موصولا مركبا مفعولا لانظروا. { فى السماوات } كالشمس والقمر، والنجوم والملائكة، فإنهم معترفون بالملائكة، ومثل بعضهم بعض بالمطر، إما على أن أصله من السماء، وإما على أن المراد فى جهة السماوات ، سواء فيهن أو خارج عنهن. { والأرض } كبحر ونهر، وشجر ونبات، وجبل ومعدن، كل ذلك دليل على وحدانية الله تعالى، وكمال قدرته. { وما } نافية أو استفهامية إنكارية فى معنى النفى، أو مفعول مطلق لقوله { تغنى } وقرئ يغنى بالتحتية { الآيات والنذر } جمع نذير بمعنى إنذار، أو جمع نذير بمعنى منذر، وهو الرسول من الرسل، فالمعى وما تغنى الآيات والإنذارات، أو الرسل، ومفعول تغنى على أن ما نافية أو استفهامية مفعول مطلق محذوف، أى ولا تغنى الآيات والنذر شيئا، أو أى إغناء تغنى شيئا. { عن قوم لا يؤمنون } أى عن قوم سبق فى علم الله أنهم لا يؤمنون، وهم الذين لا يعقلون، لا يتدبرون.
[10.102]
{ فهل ينتظرون } أى ما ينتظرون، والمراد هؤلاء القوم المذكورون، وهو أهل مكة أو العموم { إلا مثل أيام الذين خلوا } مضوا { من قبلهم } أى وقائع الله فيهم، لأنهم لا يستحقون سواها، والعرب تطلق اليوم على يوم العذاب، يقولون يوم بنى فلان، أى وقت حربهم، وذلك تهديد من الله سبحانه أنه قد فرغ رسوله من أمرهم، ولا بقى لهم إلا يوم كيوم قوم نوح، أو عاد أو ثمود يعاينون فيه العذاب. { قل فانتظروا } إهلاكى، أو مثل تلك الأيام { إنى معكم من المنتظرين } إهلاككم، أو مثل تلك الأيام، وإن قلت كيف ينتظرون مثل تلك الأيام؟ قلت لما كان هلاكهم بمثل تلك الأيام واقع لا محالة، وكان انتظارهم سواه باطلا، وأنه لا محالة عنه جعلوا كأن انتظارهم انتظار له، زعم بعض أن هذه منسوخة بآية السيف.
[10.103]
{ ثم ننجى } من إهلاك { رسلنا } عطف على محذوف، أى نهلك الأمم، أى نوجه إليهم الهلاك، أو نريده بهم، ثم ننجى رسلنا دل على ذلك قوله
مثل أيام الذين خلوا من قبلهم
جعل حال هؤلاء الأمم الماضية كأنها حاضرة، هذا كله هو ما ظهر لى، ثم رأيت مثله للقاضى وغيره والحمد لله. { والذين آمنوا } برسلنا { كذلك } مفعول مطلق بالتنجية بعده إنجاء مثل ذلك الإنجاء، أو إنجاء ثابتا كذلك الإنجاء، أو متعلق ب ينجى بعده { حقا } أى حق حقا ذلك، أى سبق به وعدنا وهو واقع لا بد، وهذا من قوله { علينا } ويجوز كونه حالا، وقيل بدل من كذلك، والجملة على ما ذكرته أولا معترضة بين المشبه وهو تنجية المؤمنين، والمشبه به وهو تنجية الرسل، لا بين العامل وهو ننجى الثانى، والمعمول وهو كذلك، لأن هذا المعمول فى نية التأخير. { ننجى } موجود فى المصاحف بلا ياء تبعا للإمام، ولست معتبرا بمثل ذلك فى خط التفسير، بل أكتبه على قاعدة الكتابة للبيان، والقراء يقفون على هذا ونحوه مما رسم بغير ياء على حال رسمه فيسكنون، ولا يردون الياء إلا ما جاءت فيه رواية عنهم، فإنه يرجع إليها، وقرأ الكسائى وحفص عن عاصم بإسكان النون الثانية وتخفيف الجيم { المؤمنين } محمدا وأصحابه من الهلاك، ونهلك المشركين.
صفحة غير معروفة