الهفوات النادرة من المغفلين الملحوظين والسقطات البادرة من المغفلين المحظوظين
محقق
صالح الأشتر
الناشر
منشورات مجمع اللغة العربية بدمشق
تصانيف
البلاغة
فقال المأمون: يا سفهاء قبحكم الله، تركتم الأدب واطرحتموه، وآثرتم المجون والسفه واتبعتموه! هذا وأبوكم أحد العلماء والفقهاء الذين يرتضى برأيهم ويستضاء بهديهم! ثم أقبل عليه فقال له: مال الذنب إلا لك، لأنك أهملتهم حتى تتايعوا في غيهم وتركوا ما كان أولى بهم وبك! قال: ما لي عليهم قدرة ولا طاعة، ولا سيما هذا الكبير فإنه أفسدهم وأهتكهم، ويزين لهم سوء أعمالهم! فأطرق الكبير وأمسك، فقال له المأمون: تكلم، فقال: يا أمير المؤمنين أتكلم بلساني كله أم كما يتكلم العبد الذليل بين يد مولاه، تاركًا لحجته، وهائبًا لسيده؟ قال: تكلم بما عندك! قال يا أمير المؤمنين، هل أحمدت رأي أبينا إذ أحمدت فهمه وعلمه؟ قال: نعم، قال: أعتق ما أملك وأطلق ما أطأطلاق الحرج، وعلي ثلاثون حجة تبلغ بي الكعبة إن لم يكن أبي علي بن صالح طلب سكر طبرزد فلم يجد في خزانته منه شيء، ولم يكن الوقت وقتًا يوجد فيه بائع ولا سكر، فقال له خازنه: ما عندنا سكر؛ فقال: الحمد لله رب العالمين، ولا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت مصيبة، إلا أن هذا يقال عند المصائب في الأنفس، لكني احمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، بما حمده الشاكرون، وأنا أرجو أن نكون منهم ومعهم إن شاء اللهٍ .. ثم أقبل على الخازن فقال: ادع لي الوكيل، فدعاه، فقال: ما منعك إذ فني السكر أن تبتاع لنا سكرًا؟ قال: ما أعلمني الخازن، فقال للخازن: لم لم تعلمه؟ قال: قد كنت على ذلك .. قال: ما ها هنا ما هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجلي ثم لا أضع الأخرى على الأرض ولا أراوح بينهما حتى تحضر اني ألف من سكرًا من الجنس الذي طلبته، ليس بوسخ ولا مضرس ولا لين المكسر ولا محدث العمل ولا معوج القالب؛ ثم وثب وقال: "يُوفون بالنَّذْر ويَخافونَ يومًا كان شَرُّه مُسْتَطيرًا" والله ثم والله لا أزال قائمًا حتى أوفي ينذري! قال: فتبادر غلمانه ومواليه وبعض ولده وعجائزه نحو السوق، فواحد ينبه حارسًا، وآخر يفتح دربًا، وآخر يحمل شريجة، وآخر يوقظ نائمًا، وآخر يرمي كلبًا، والغلمان والخزَّان والجواري والحراس والسُّوقة في مثل يوم القيامة! ثم قال: يا قوم أمالي من أهلي مساعد؟ أين البنات العواتق المخبآت؟ أين اللواتي كنت أغذوهن لي الطعام واللبوس ويرعين فيما أرعين من خفض العيش وغضارة الدهر؟ أين أمهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفسية وملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟ أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد، ونغدو أو نروح؟ فتبادر إليه بناته وأمهات أولاده، فقامت كل واحدة منهن على ساق، فقال: أحسنتم والله، أحسن الله جزاءكن عن بركن، لمثل هذا كنت أعدكن وأحسبكن الحسنى! ولاحظ الكبرى من بناته وآخر من بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما، فقال له: تراوحان ولا أراوح! صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم قال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم". حذاري منكماّ ثم قال: علي بن صالح ليس في خزانته سكرطبرزد، وجائزته من أمير المؤمنين ثلاثمائة ألف إذا كان السعر بين الغالي والرخيص، وضيعته بالزَّاب تغلُّ مائة ألف، وضيعته بالكوفة المعروفة بالمغيريه من أجل ضيعة ملكها أحدٌ، وضيعته بطسوج الدسكرة لولا أن سعيدًا السفدي أدال الله منه قطع شربها وغور مجاري مائها حتى عطلت أنهارها وبطلت عمارتها، إضرارًا بنا وتعديًا علينا، ما كان لأحد مثلها، وعلى أن أكرتها ومزارعيها من ألعن خلق الله، لو تمكنوا من أن يقتطعوا الحاصل ما أعطونا شيئًا، ومن أخبرك أن الضيعة لرب الضيعة فقل كذبن لا أم لك، الضيعة ثلاثة أثلاث: فثلث للسلطان، وثلث للوكيل، وثلث للأكار، وإنما يبقى لرب الضيعة صبابة كصبابة الإناء، ومجة كمجة العرقوب، يجيء وقت الدياس، فيمر بهم الأمير، فهذا يخبز له، وهذا يذبح له، وهذا يستقيهم النبيذ، وما نبيذهم العكر الأسود إلا وضر الدبس وماء الكشوث، قبح الله ذاك شرابًا ما أثقله في الجوف وأضره بالأعلاق النفيسة! ثم يأتي وقت الكيل فمن بين رقام رقم الله جلبابه، وأعدَّ له من الهوان ما هو أهله ومن بين كيال كال الله له الويل بقوله: "وّيْلٌ للمُطَفِّفين" ما يبالي أدهم بما يقدم عليه، ولقد سمعت أمير المؤمنين أعزه الله يسأل قضاته بالحضرة، هل عدلتم كيًا قط؟ فكلهم قال: لا! قال: فإن أطعموا الجداء الرضع ونقى دستميسان ووهبت
1 / 72