أي يجب أن تقدم إلى المكتوبجي، ويضع توقيعه. وفي وسع عبد الرحمن أفندي المذكور أن يضيق أعظم تضييق على أصحاب الجرائد؛ لأن المكتوبجي لا يضع توقيعه على المسودة إلا بعد أن يقرأها حوت أفندي، فلو أراد حوت أفندي أن يقضي في قراءة المسودة 10 ساعات فليس من مانع؛ ولذلك قرر أصحاب الجرائد أن تعطيه كل جريدة مبلغا من المال استرضاء له ليعجل في قراءة جرائدهم. وبعض الجرائد تدفع له ذلك المال تحت ستار المصانعة؛ أي أنها تكلفه بترجمة بعض أخبار عن جرائد الآستانة التركية مع ركاكة الترجمة وعدم تحصيل المعاني، ثم تدفع له المال كأنه أجرة ترجمة وليس بصفة رشوة. (6) عود إلى الموضوع
وبعد أن يكتب حوت أفندي في ذيل المسودة «تقدم»، يأخذه خادم الإدارة إلى غرفة المكتوبجي الذي يكتفي أكثر الأحيان بأن ينظر إلى المسودة، ولما كان لا يعرف اللغة العربية فهو يرى الخطوط الحمراء إلى جانب بعض العبارات فلا يكلف نفسه إلى طلب ترجمتها أو الاستفهام عنها، بل يقول في نفسه: لو لم يكن هنا محل ريبة وكلام سياسي لا حق للجرائد باستعماله، لما ارتاب فيها حوت أفندي، ولما كان لا يهمه تعب المحرر أو راحة القراء، يأخذ قلمه ويضرب به على كل عبارة عليها إشارة حمراء، وهكذا فبعد أن يكون مراد حوت أفندي الاستفهام، تصبح تلك العلامة إشارة لحذف المقالة، وبعد أن يفعل ذلك يكون قد حذف من المسودة 10 أعمدة وأحيانا خمسة، فيكتب في ذيل النسخة الواحدة من المسودتين:
كورلمشدر
عبد الله
وهي كلمة الإجازة للإدارة التي بدونها لا يمكن طبع الجريدة.
ولا يظن القارئ أن رحلة المسودة قد انتهت الآن؛ فإنها بعد أن يوقع عليها المكتوبجي تعاد إلى حوت أفندي ليحذف كل ما حذف في المسودة الثانية تماما، وتعاد الواحدة إلى الإدارة وتبقى الثانية عند المكتوبجي، فتصل النسخة بالحذف الذي فيها إلى محرر الجريدة المسكين، فتضطر الإدارة إلى حل الحروف ويحذف العملة ما حذفه المكتوبجي ويضعون محله مقالات أخرى، ويرسلون المسودة ثانية إلى المكتوبجي ليراقب العبارات والمقالات التي زادها المحرر بدلا من المقالات المحذوفة، فيجري ما جري أولا، وهكذا إلى أن يسمح الله بالخلاص فتطبع الجريدة ويرسل أول عدد يصدر منها مع مخصوص إلى المكتوبجي فيقابله على نسخة المسودة الثانية التي حفظها عنده؛ ليرى إذا كانت الإدارة قد حذفت كل شيء حذفه، ثم ترسل 3 أعداد من الجريدة وفي ذيلها إمضاء صاحب الامتياز بخط يده تحت توقيعه المطبوع وهذه ترسل إلى قلم المكتوبجي لتحفظ هناك، وترسل إلى الآستانة حيث يراقبها أعضاء انجمن المعارف. والغريب أن مراقبة المكتوبجي وضغطه العنيف ومنعه كل ما لا يرضاه عن الظهور في الجرائد لا يحميها من التعطيل، بل إذا رأى بعد طبع الجريدة عبارة لم يكن قد انتبه إليها قبلا، أمر بتعطيل الجريدة، أو لو رأت الآستانة مقالة لم ترض عنها، أمرت بتعطيلها أيضا.
برهاني على صدق ما أقول
سأبدأ الآن بنشر غرائب المكتوبجي، وأريد أن أؤكد لحضرات قراء كتابي أنني صادق في كل كلمة أقولها عن المراقبة؛ أولا لأنني حضرت المراقبة من أول نشأتها، ثانيا لأنني كنت بنفسي أحتمل تلك المراقبة، فأنا أروي ما عرفته بذاتي لا ما سمعته من غيري، ثالثا أستشهد على صحة كلامي بالبراهين القاطعة التي أعزز بها أخباري، فإنني أجرب ألا أذكر حادثة إلا وفيها أسماء الجرائد التي جرت لها تلك الحادثة وأسماء الأشخاص الحقيقية، فإن وجد فيمن سأورد أسماءهم من يقدر أن يقول أنني مخطئ أو أنني أروي غير الحقيقة، فأنا مستعد لنشر اعتراضه في جريدة المشير، وتأكيدا لقولي هذا فإذا اعترض علي معترض ولم أنشر اعتراضه فله ملء الحرية أن ينشره في أي جريدة أراد. رابعا سيأتي وقت يخرج بعض إخواني، الذين حرروا جرائد سوريا، من بلاد الظلم وإذ ذاك فهم يؤيدون أقوالي؛ لأنهم الآن ليس في وسعهم تأييدها. خامسا سأنشر في ذيل هذا الكتاب صورة مأخوذة بالزينكوكراف أي التصوير عن أصل مسودة من مسودات جرائد بيروت في وقت رجوعها من عند المكتوبجي مع الحذف الذي فيها، فلا يبقى مجال للريب في صحة كلامي. (1) خارطة الممالك المحروسة
إن المطبعة الأميركانية الخاصة بحضرات المرسلين الأميركان رسمت خارطة لتدريس طلبة العلم في المدارس، فبلغ أمرها المكتوبجي (الطيب الذكر)، واستدعى مدير المطبعة أسعد أفندي واكد، وجرت بينهما المحاورة الآتية:
المكتوبجي :
صفحة غير معروفة