848

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

ما قدلي عضو ولا مفصل . . . ألا وفيه لكم ذكر إذا تخللت المعرفة بالله أجزاء العارف من حيث ما هو مركب فلا يبقى فيه جوهر فرد ألا وقد حلت فيه معرفة ربه فهو عارف به بكل جزء فيه ولولا ذلك ما أنتظمت أجزاؤه ولا ظهر تركيبه ولا نظرت روحانيته طبيعته فبه تعالى أنتظمت الأمور معنى وحسا وخيالا وكذلك أشكال خيال الأنسان لا تتناهى وما ينتظم منها شكل ألا بالله ويكون حكمها في تلك الحضرة في المعرفة بالله حكم ما ذكرناه في الصورة الحسية والروحانية هكذا في كل موجود فإذا أحس الأنسان بما ذكرناه وتحقق به وجودا وشهودا كان خليلا من حصل في هذا المقام كان حاله في العالم نعت الحق فبه يرزق مع كفر النعم ويملي ليزداد ذلك الشخص أثما فيظهر عظم المغفرة وسلطان العفو والتجاوز حكاية نزل ضيف من غير ملة إبراهيم عليه السلام بأبراهيم عليه السلام فقال له إبراهيم عليه السلام وحد الله حتى أكرمك وأضيفك فقال يا إبراهيم من أجل لقمة أترك ديني ودين آبائي فإنصرف عنه فأوحى الله إليه يا إبراهيم صدقك لي سبعون سنة أرزقه وهو يشرك بي فتريد أنت منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة فلحقه إبراهيم عليه السلام وسأله الرجوع إليه ليقريه وأعتذر إليه فقال له المشرك يا إبراهيم ما بدا لك فقال أن ربي عتبني فيك وقال لي أنا أرزقه منذ سبعين سنة على كفره بي وأنت تريد منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة فقال المشرك أوقد وقع هذا مثل هذا ينبغي أن يعبد فأسلم ورجع مع إبراهيم عليه السلام إلى منزله ثم عمت كرامته خلق الله من كل وارد ورد عليه فقيل له في ذلك فقال تعلمت الكرم من ربي رأيته لا يضيع أعداءه فلا أضيعهم فأوحى الله إليه أنت خليلي حقا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل قال الشاعر

عن المرء لا تسئل وسل عن قرينه . . . وكل خليل بالمقارن مقتد

أذ كنت في قوم فصاحب خيارهم . . . ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى

قيل لبعضهم من أحب الناس إليك قال أخي إذا كان خليلي علامة الخليل أن يسد خلة صاحبه بما أمكنه فإذا لم يستطع قاسمه في همه كما قيل

خليلي من يقاسمني همومي . . . ويرمي بالعداوة من رماني

وقال الآخر

ما أنا ألا لمن بغاني . . . أرى خليلي كما يراني

قال الله تعالى ' يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ' وقد قلنا بأن الخليل على دين خليله وهؤلاء الموصوفون بأنهم أعداء الله مع كون الله يحسن إليهم فذلك لجهلهم به وحجب الأسباب دونه في أعينهم فلا يعلمون إلا ما شاهدوه فمن أراد تحصيل هذا المقام وأن يمون خليلا للرحمن يجمع بين الآية في قوله ' لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة مع جهل الأعداء به أن الإحسان منه تعالى وهو محسن إليهم مع عداوتهم ولم يجعل في قلوبهم الشعور بذلك فينبغي للإنسان الطلب مقام الخلة أن يحسن عامة لجميع خلق الله كافرهم ومؤمنهم طائعهم وعاصيهم وأن يقوم في العالم مع قوته مقام الحق فيهم من شمول الرحمة وعموم لطائفه من حيث لا يشعرهم أن ذلك الإحسان منه ويوصل الإحسان إليهم من حيث لا يعلمون فمن عامل الخلق بهذه المثابة صحت له الخلة وإذا لم يستطع بالظاهر لعدم الموجود أمدهم بالباطن فدعا الله لهم في نفسه بينه وبين ربه هكذا تكون حالة الخليل فهو رحمة كله ولولا الرخمة الإلهية ما كان الله يقول ' وإنجنحوا للسلم فاجنح لها ' وما كان الله يقول حتى يعطوا الجزية أليس هذا كله ابقاء عليهم ولولا ما سبقت الكلمة وكان وقوع خلاف المعلوم محالا ما تألمت ذرة في العالم فلا بد من نفوذ الكلمة ثم يكون المآل للرحمة التي وسعت كل شئ فهو في الدنيا يرزق مع الكفر ويعافى ويرحم فكيف مع الايمان والإعتراف بالدار الآخرة على الكشف كما كان في قبض الذرية فعقابهم وعذابهم تطهير وتنظيف كأمراض المؤمنين وما ابتلوا به في الدنيا من مقاساة البلايا وحلول الرزايا مع إيمانهم ثم دخول بعض أهل الكبائر النار مع إيمانهم وتوحيدهم إلى أن يخرجوا بالشفاعة ثم إخراج الحق من النار من لم يعمل خيرا قط حتى الساكنين في جهنم لهم فيها حال يستعذبونها وبهذا سمى العذاب عذابا فالخليل على عادة خليله وهو قوله صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله أي على عادة خليله قال امرؤ القيس كدينك من أم الحو يرث قبلها . . . وجاريتها أم الرباب بمأسل

صفحة ٣٥٧