الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
وهذا ألطف ما يكون من المحبة ودونهحب الحب وهو الشغل بالحب عن متعلقه جاءت ليلى إلى قيس وهو يصيح ليلى ليلى ويأخذ الجليد ويلقيه على فؤاده فتذيبه حرارة الفؤاد فسلمت عليه وهو في تلك الحال فقالت له أنا مطلوبك أنا بغيتك أنا محبوبك أنا قرة عينك أنا ليلى فألتفت إليها وقال إليك عني فإن حبك شغلني عنك وهذا ألطف ما يكون وأرق في المحبة ولكن هو دون ما ذكرناه في اللطف وكان شيخنا أبو العباس العريبي رحمه الله يسأل الله أن يرزقه شهوة الحب لا الحب وأختلف الناس في حده فما رأيت أحدا حده بالحد الذاتي بل لا يتصور ذلك فما حده من حده ألا بنتائجه وآثاره ولوازمه ولا سيما وقد أتصف به الجناب العزيز وهو الله وأحسن ما سمعت فيه ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس ابن العريف الصنهاجي قالوا سمعناه يقول وقد سئل عن المحبة فقال الغيرة من صفات المحبة والغيرة تأبى ألا الستر فلا تحد وأعلم أن الأمور المعلومات على قسمين منها ما يحد ومنها ما لا يحد والمحبة عند العلماء بها المتكلمين فيها من الأمور التي لا تحد فيعرفها من قامت به ومن كانت صفته ولا يعرف ما هي ولا ينكر وجودها واعلم أن كل حب لا يحكمعلى صاحبه بحيث أنه يصمه عن كل مسموع سوى ما يسمع من كلام محبوبه ويعميه عن كل منظور سوى حب محبوبه ويخرسه عن كلام إلا عن ذكر محبوبه وذكر من يحب محبوبه ويختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه ويرمي قفله على خزانة خياله فلا يتخيل سوى صورة محبوبه أما عن رؤية تقدمته وأما عن وصف ينشئ منه الخيال صورة فيكون كما قيل
خيالك في عيني وذكرك في فمي . . . ومثواك في قلبي فأين تغيب فيه يسمع وله يسمع وبه يبصر وبه يتكلم وله يتكلم ولقد بلغ بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج لعيني كما كانيتجسد جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أقد أنظر إليه ويخاطبني وأصغى إليه وأفهم عنه ولقد تركني أياما لا أسيغ طعاما كلما قدمت لي المائدة يقف على حروفها وينظر إلي ويقول لي بلسان أسمعه بأذني تأكل وأنت تشاهدني فأمتنع من الطعام ولا أجد جوعا وامتلئ منه حتى سمنت وعبلت من نظري إليه فقام لي مقام الغذاء وكان أصحابي وأهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم الغذاء لأني كنت الأيام الكثيرة لا أذوق ذواقا ولا أجد جوعا ولا عطشا لكنه كان لا يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني واعلم أنه لا يستغرق الحب المحب كله إلا إذا كان محبوبه الحق تعالى أو أحدا من جنسه من جارية أو غلام وأما من عدى ما ذكرته فإنه لا يستغرقه حبه إياه وإنما قلنا ذلك لأن الإنسان لا يقابل بذاته كلها إلا من هو على صورته إذا أحبه فما فيه جزء إلا وفيه مايماثله فلا تبقى فيه فضلة يصحو بها جملة واحدة فيهيم ظاهره في ظاهره وباطنه في باكنه ألا ترى الحق قد تسمى بالظاهر والباطن فتستغرق الإنسان المحبة في الحق وفي أشكاله وليس ذلك فيما سوى الجنس من العالم فإنه إذا أحب صورة من العالم إنما يستقبله بالجزء المناسب ويبقى ما بقي من ذاته صاحية في شغلها وأما استغراق حبه إذا أحب الله فلكونه على صورته كما ورد في الخبر فيستقبل الحضرة الإلهية بذاته كلها ولهذا تظهر فيه جميع الاسماء الإلهية ويتخلق بها من ليست عنده صفة الحب وبكونها من عنده صفة الحب فلهذا يستغرق الإنسان الحب وإذا تعلق بالله وكان الله محبوبه فيفنى في حبه في الحق أشد من فنائه في حب أشكاله فإنه في حب أشكاله فإن في حب أشكاله فاقد في غيبته ظاهر المحبوب وإذا كان الحق هو المحبوب فهو دائم المشاهدة ومشاهدة المحبوب كالغذاء للجسم به ينمي ويزيد فكلما زاد مشاهدة زاد حبا ولهذا الشوق يسكن باللقا والإشتياق يهيج باللقاء وهو الذي يجده العشاق عند الإجتماع بالمحبوب لا يشبع من مشاهدته ولا يأخذ نهمته منا لأنه كلما نظر إليه زاد وجدا به وشوقا مع حضوره معه كما قيل
ومن عجب أني أحن إليهم . . . وأسأل شوقا عنهم وهم معي
وتبكي عيني وهم في سوادها . . . وتشتاقهم نفسي وهم بين أضلعي
وكل حب يبقى في المحب عقلا يعقل به عن غير محبوبه أو تعقلا فليس بحب خالص وإنما هو نفس قال بعضهم ولا خير في حب يدبر بالعقل وحكايات المحبين في هذا الباب أكثر من أن تحصى ولنا في ازدياد المحبة مع المشاهدة والشوق
أغيب فيفنى الشوق نفسي فالتقى . . . فلا أشتفي فالشوق غيبا ومحضرا
ويحدث لي لقياه ما لم أظنه . . . مكان الشفا داء من الوجد آخرا
لأني أرى شخصا يزيد جماله . . . إذا ما لقيناه نحوة وتكيرا
صفحة ٣٢١