الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
أعلم ان النبوة البشرية على قسمين قسم من الله إلى عبده من غير روح ملكي بين الله وبين عبده بل أخبارات ألهية يجدها في نفسه من الغيب أو في تجليات لا يتعلق بذلك الأخبار حكم تحليل ولا تحريم بل تعريف ألهي ومزيد علم بالأله أو تعريف بصدق حكم مشروع ثابت انه من عند الله لهذا النبي الذي أرسل إلى من أرسل إليه أو تعريف بفساد حكم قد ثبت بالنقل صحته عند علماء الرسوم فيطلع صاحب هذا المقام على صحة ما صح من ذلك وفساد ما فسد مع وجود النقل بالطرق الضعيفة أو صحة ما فسد عند أرباب النقل أو فساد ما صح عندهم والأخبار بنتائج الأعمال وأسباب السعادات وحكم النكاليف في الظاهر والباطن ومعرفة الحد في ذلك والمطلع كل ذلك ببينة من الله وشاهد عدل ألهي من نفسه غير انه لا سبيل ان يكون على شرع يخصه يخالف شرع نبيه ورسوله الذي أرسل إليه وأمرنا بأتباعه فيتبعه على علم صحيح وقدم صدق ثابت عند الله تعالى ثم انلصاحب هذا المقام الاطلاع على الغيوب في أوقات وفي أوقات لا علم له بها ولكن من شرطة العلم بأوضاع الأسباب في العالم وما يؤول إليه الواقف عندها أدبا والواقف معها اعتمادا عليها كل ذلك يعلمه صاحب هذا المقام وله درجات الإتباع وهو تابع لا متبوع ومجكوم لا حاكم ولا بد له في طريقه من مشاهدة قدم رسوله وإمامه لا يمكن ان يغيب عنه حتى في الكثيب وهذا كله كان في الأمم السالفة وأما هذه الأمة المحمدية فحكمهم ما ذكرناه وزيادة وهو ان لهم بحكم شرع النبي محمد صلى الله عليه وسلم ان يسنوا سنة حسنة مما لا تحل حراما ولا تحرم حلالا ومما لها أصل في الأحكام المشروعة وتسنينه إياها ما أعطاه له مقامه وانما حكم به الشرع وقرره بقوله من سن سنة حسنة الحديث كمسئلة بلال في الركعتين بعد الإذان وأحداث الطهارة عند كل حدث وركعتين عقيب كل وضوء القعود على طهارة وركعتين بعد الفراغ من الطعام وصدقه على وجه خاص بسنة وكل أدب مستحسن مما لم يعينه الشارع فلهذه الأمة تسنينة ولهم أجر من عمل بذلك غير انهم كما قلنا لا يحلون حراما ولا يحرمون حلالا ولا يحدثون حكما ثم لهم الرفعة الإلهية العامة التي تصحبهم في الدنيا والآخرة والقسم الثاني من النبوة البشرية هم الذين يكونون مثل التلامذة بين يدي الملك ينزل عليهم الروح الأمين بشريعة من الله في حق نفوسهم يتعبدهم بها فيحل لهم ما شاء ويحرم عليهم ما شاء ولا يلزمهم اتباع الرسل وهذا كله كان قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فأما اليوم فما بقي لهذا المقام أثر إلا ما ذكرناه من حكم المجتهدين من العلماء بتقرير الشرع لذلك في حقهم فيحلون بالدليل ما اداهم إلى تحليه اجتهادهم وان حرمه المجتهد الآخر ولكن لا يكون ذلك بوحمي إلهي ولا بكشف والذي لصاحب الكشف في هذه الأمة تصحيح الشرع المحمدي ما له حكم الاجتهاد فلا يحصل لصاحب هذا المقام اليوم أجر المجتهدين ولا مرتبة الحكم فان العلم بما هو الأمر عليه في الشرع المنزل يمنعهم من ذلك ولو ثبت عند المجتهد ما ثبت عند صاحب هذا المقام من الكشف بطل اجتهاده وحرم عليه ذلك الحكم ولذلك ليس للمجتهد ان يفتى في الواقع إلا عند نزولها لا عند تقدير نزولها وانما ذلك للشارع الأصلي لحتمال ان يرجع عن ذلك الحكم الذي حكم به في زمانه لو عاش إلى اليوم كان يبدو له خلاف ما أفتى به فيرجع عن ذلك الحكم إلى غيره فلا سبيل ان يفتى في ين الله إلا مجتهد أو بنص من كتاب أو سنة لا بقول إمام لا يعرف دليلة وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فلم يبقى في هذه الأمة المحمدية نبوة تشريع فلا نطيل الكلام فيها أكثر من هذا ولمن نطيل الكلام ان شاء الله أكثر من هذا في باب الرسالة البشرية لتقرير حكم المجتهدين والأمر الإلهي بسؤالهم فيما جهل من حكم الله في الأشياء انتهى الجزء الخامس ومائة
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب السابع والخمسون ومائة في معرفة مقام النبوة الملكية
أوحى الإله إلى الأملاك تعبده . . . يأمره ما لهم في النهي من قدم
وهم عبيد اختصاص لا يقابله . . . ضد وقد منحموا مفاتح الكرم
لا يعرفون خروجا عن أوامره . . . ورأسهم ملك سماه بالقلم
أعطاه من علمه ما لا يقدره . . . خلق وان له في رتبة القدم
حكما كما قال في العرجون خالقنا . . . في سورة القلب جل الله من حكم
هم انبياء أحباء بأجمعهم . . . بلا خلاف وهم من جملة الأمم
لكل شخص من الأملاك نرتبة . . . معلومة ظهرت للعين كالعلم
صفحة ٢٥٢