773

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

فان تعرض للتكوين أبطل ما . . . قد كان أصله من ملك مولاه أعلم وفقك الله ان الحرية مقام ذاتي لا ألهي ولا يتخلص للعبد مطلقا فانه عبد لله عبودية لا تقبل العتق وأحلناها في حق الحق من كونه ألها لأرتباطه بالمألوه أرتباط السيادة بوجود العبد والمالك بالملك والملك بالملك انظر في قوله ' ان يشأ يذهبكم ويأت بقوم آخرين ' فنبه بأتيان قوم آخرين على هذا الأرتباط فانه يلزم من حقيقة الأضافة عقلا ووجودا تصور المتضايفين فلا حرية مع الأضافة والربوبية والألوهية أضافة ولما لم يكن بين الحق والخلق مناسبة ولا أضافة بل هو الغني عن العالمين وذلك لا يكون لذات موجودة ألا لذات الحق فلا يربطها كون ولا تدركها عين ولا يحيط بها حد ولا يفيدها برهان وجد انها في العقل ضروري كما ان نفي صفات التعليق التي تدخلها تحت التقييد نظري فإذا أراد العبد التحقق بهذا المقام فانه مقام تحقق لا مقام تخلق ونظر انه لا يصح له ذلك ألا بزوال الأفتقار الذي يصحبه لأمكانه ويرى ان الغيرة الألهية تقتضي ان لا يتصف بالوجود ألا الله لما يقتضيه الوجود من الدعوى فعلم بهذا النظر ان نسبة الوجود إلى الممكن محال لان الغيرة حد مانع من ذلك فنظر إلى عينه فإذا هو معدوم لا وجود له وان العدم له وصف نفسي فلم يخطر له الوجود بخاطر فزال الأفتقار وبقي حرا في عدميته حرية الذات في وجودها ثم انه أراد ان يعرف ما يناسب الاسماء الألهية التي لهذه الذات من ذات الممكن المعدوم فرأى ان كل عين من عيون الممكنات على أستعداد لا يكون في غيره ليقع التمييز بين الأعيان فما وقع بين ذات الممكن وذات الحق بالوجود للحق الواجب والعدم للممكن الواجب فجعل هذه الأستعدادات له بمنزلة الاسماء للحق والوجود في أعيان الممكنات لله تعالى فإذا ظهر في عين من أعيان الممكنات لنفسه باسم ما من الاسماء الألهية أعطاه أستعداد تلك العين أسما حادثا تسمى به فيقال هذا عرش وهذا عقل وهذا قلم ولوح وكرسي وفلك وملك ونار وهوى وماء وأرض ومعدن ونبات وحيوان وانسان ما بين أجناس وانواع ثم سرت هذه الحقيقة في الأشخاص فيقال زيد وعمرو وهذا الفرس وهذا الحجر وهذه الشجرة هذا كله أعطاه أستعداد أعيان الممكنات فأستدللت بأثارها في الوجود على ما هي عليه من الحقائق في ذاتها كما أستدللت بآثار الاسماء في الوجود على الاسماء الألهية وما للمسمى عين يقع عليها الأدراك فإذا وقف الممكن مع عينه كان حرا لا عبودية فيه وإذا وقف مع أستعداداته كان عبدا فقيرا فليس لنا مقام في الحرية المطلقة ألا ان يكون مشهدنا ما ذكرناه فلا تحدث نفسك بغير هذا ومن لا يشهد هذا المقام فانه لا يعلم أبدا مدلول قوله ' ان الله غني عن العالمين ' أي هو غني عن الدلالة عليه أذ لو أوجد العالم للدلالة عليه لما صح له الغني عنه فاعلم المعرفة من نصب العالم دليلا وعلى من يدل وهو أظهر وأجلى من ان يستدل عليه بغير أو يتقد تعالى بسوى أذ لو كان الأمر كذلك لكان للدليل بعض سلطة وفخر على المدلول ولو نصبه المدلول دليلا لم ينفك هذا الدليل عن مرتبة الزهو بكونه أفاد الدال به أمر ألم يتمكن للمدلول ان يوصل إليه ألا به فكان ببطل الغني والحرية وهما ثابتان لله تعالى فما نصب الأدلة عليه وانما نصبها على المرتبة ليعلم انه لا أله ألا هو فهذا لسان الخصوص في الحرية وأما لسان العموم فالحرية عند القوم من لا يسترقه كون ألا الله فهو حر عن ما سوى الله فالحرية عبودة محققة لله فلا يكون عبد الغير الله الذي خلقه ليعبده فوفي بما خلق له فقيل فيه نعم العبد انه أواب أي رجاع إلى العبودة التي خلق لها لانه خلق محتاجا إلى كل ما في الوجود فما في الوجود شيء ألا ويناديه بلسان فقر هذا العبد انل الذي يفتقر إلى فأرجع إلى فإذا كان عالما بالأمور علم ان الحق عند من ناداه وانه فقير إلى ذلك السبب لكونه مستعدا لهذا الفقر إليه فإذا بحقيقته أفتقر ثم نظر إلى معطي ما هو محتاج إليه في هذا السبب فرآه الاسم الألهي فما أفتقر ألا إلى الله من أسمه ولا أفتقر ألا بنفسه من أثر أستعداده فعلم ما الفقر ومن أفتقر ومن أفتقر إليه فلهذا أمر صلى الله عليه وسلم ان يقول ' رب زدني علما ' فقد نبهتك على ما فيه كفاية في الحرية وأسرارها مما لا تجده في غير هذا الكتاب من مصنفات غيرنا

الباب الواحد والأربعون ومائة في مقام ترك الحرية

من ليس ينفك عن حاجاته أبدا . . . كيف التحرر والحاجات تطلبه

فهو الفقير إلى الأشياء أجمعها . . . فالفقر مذهبه والفقر مكسبه

لذا تسمى بأعيان الكيان لنا . . . حتى تعين في المنطوق مذهبه

فليس في الكون حر حيث يطلبنا . . . من كل وجه ومنه نحن نطلبه

أعلم وفقك الله ان ترك الحرية عبودة محضة حالصة تسترق صاحبها الأسباب لتحققه بعلم الحكمة في وضعخا فهو بذل تحت سلطانها فصحاحبها كالأرض يطؤها البر الفاجر وتعطى منفعتها المؤمن والكافر تؤثر فيه تأثير الدعاء من الكون في الحق إجابة دعائه تحققا بمولاه حين رأى هذا المقام يصحبه مع الغنى المنسوب إليه فكيف حال من يجوع مركبه ويعري ويظمأ ويضحي وهو مأمور بحفظه والنظر في شانه وما يصلحه قد ولاه الله عليه وانزله خليفة فيه وليس في قوته ان يقوم بحقه ألا ان تمكنه الأسباب من نفسها فبالضرورة يخضع في تحصيلها الأداء حق الله فيه المتوجه عليه فان الله يقول له ان لنفسك عليك حقا ولعينك عليك حقا ولزورك عليك حقا ومن توجهت عليه الحقوق فاني له الحرية

فكل كون عليه حق . . . فهو عبيد لذلك الحق

وليس جرا فكن من تأبي . . . به خبيرا كمن تحقق

ولا تكن مثل من تابى . . . عن أمر مولاه أذ تخلق

الله رب وانت عبد . . . له فكنه فالكون أسبق

صفحة ٢٢٤