الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
فان أعتز في مقام التجلي . . . فله الحكم لا يكون عليه الخشوع مقام الذلة والصغار وهو من صفات المخلوقين ليس له في الألوهية مدخل وهو نعت محمود في الدنيا على قوم محمودين وهو نعت محمود في الآخرة في قوم مذمومين شرعا بلسان حق وهو حال ينتقل من المؤمنين في الآخرة إلى أهل العزة المتكبرين الجبارين الذين يريدون علوا في الأرض من المفسدين في الأرض فالمؤمنون في صلاتهم خاشعون وهم الخاشعون من الرجال والخاشعات من النساء الذين أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ونعت أصحابه في الآخرة فقال خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال ' وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين انية ليس لهم طعام ألا من ضريع ' ولا يكون الخشوع حيث كان ألا عن تجل ألهي على القلوب في المؤمن عن تعظيم وأجلال وفي الكافر عن قهر وخوف وبطش قال عليه السلام حين سئل عن كسوف الشمس ' ان الله إذا تجلى لشيء خشع له خرجه البزار وإذا وقع التجلي حصل الخشوع وأورث التجلي العلم والعلم يورث الخشية ' انما يخشى الله من عباده العلماء ' والخشية تعطي الخشوع والخشوع يعطي التصدع وهو انفعال الطبع للخشوع والتصدع تقصف وتكسر في الأعضاء والغطيط الذي يسمع فيها كل ذلك من أثر الطبع القابل لأثر الوارد في التجلي الألهي وهو الذي كنى عنه الشرع بالغت والغط في نزول الوحي عليه كصلصلة الجرس وهو أشده عليه فان نزوله شديد على هذا الهيكل البشري ولا سيما ان كان النزول بالقران كما قال ' ولو ان قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ' وقد يكون من الجبال القوة الماسكة الطبع الذي من شانه الميل نظير الميد في الأرض ويكون من الأرض أرض الأجسام الطبيعية أو كلم به الموتى ومن أصناف الموت الجهل يقول تعالى ' أو من كان ميتا فأحييناه ' لكان هذا القران يحيا بما فيه من العلم ويقطع به الأرض وتسير الجبال بما فيه من الزجر والوعيد وقوله قرانا بالتنكير دليل على أحد أمرين أما على آيات منه مخصوصة كما ضرط الجبار عندما سمع صاعقة مئل صاعقة عاد وثمود وأما ان يكون ثم أمر آخر ينطلق عليه أسم قران غير هذا لغة ولو حرف أمتناع لأمتناع فهل هو داخل تحت الأمكان فيوجد أو ما هو ثم ألا بحكم الفرض والتقدير فأما عندنا فكل كلام ألهي من كلمة مركبة من حرفين إلى ما فوق ذلك من تركيبات الحروف والكلمات المنسوبة إلى الله بحكم الكلام فانه قران لغة وله أثر في النزول في المحل المنزل عليه إذا كان في أستعداده التأثر بنزوله فان لم يكن فلا يشترط والأستعداد من المحل ان يكون حاله العبودة والعبودية وأثره في حال العبودية أتم منه في حال العبودة فان سمع المحل أو نزل عليه في حال كون الحق سمعه حصل له النزول ولم يظهر له أثر عليه لانه حق في تلك الحالة فينتقي عنه الخشوع وهذا أصل يطرد في كل وصف لا يكون له في الألوهية مدخل كالذلة والأفتقار والخشوع والخوف والخشية فانه يتأثر صاحب هذا الحال وكل كون يكون حالة نعت ألهي كالكرم والجود والرحمة والكبرياء فانه لا يؤثر في صاحبه أصلا فانه نعت حق فله العزة والمنع هذا مطرد وقد نزل علينا من القران ذوقا عرفنا من ذلك صورة نزوله على نبيه صلى الله عليه وسلم فوجدنا له لم نجد لحفظ حروفه ولا لتبدبر معانيه ونزل علينا في الحالين فأثر في الحال الواحد الكوني ولم يؤثر في الحال الألهي ألا لذة خاصة فانه لابد منها وأما خشوعا فلا ولهذا ينسب إلى الجناب الألهي الأقدس ما ينسب من الفرح وهو التذاذ ثم ان الله جعل مثل هذا أمثالا مضروبة للناس يضل بها كثيرا ويهدي بها كثيرا وما يضل بها إلا الفاسقين الخارج عن الحالين والعاري عن التلبس بالحكمين وهي حالة الغافلين عما خلقوا له وعما فضلوا به لم يمت أبو يزيد حتى أستظهر القران وهو تنزيله عليه ذوقا ومن أ ستظهر القران فقد أدرجت النبوة بين جنبيه كذا قال صلى الله عليه وسلم وهذا الفرق بين تنزله على النبي صلى الله عليه وسلم وبين تنزله علينا فانه منزل في النبي صلى الله عليه وسلم على قلبه وفي صدره فنبوته له مشهودة وينزل علينا بين جنبينا من وراء حجابنا فهو لنا في الظهر لافي الظهور فنبوتنا مستورة عنا مع كوننا محلالها فمن خشع تصدع ومن علم يخشى
الباب الحادي عشر ومائة في ترك الخشوع
من تجلى لنفسه كيف يخشع . . . وبه تنظر العيون إليه فقوانا قواه من غير شك . . . هكذا نص لي الرسول عليه
إذا كان العبد في نعت ألهي وورد التجلي عليه وتلقاه بذلك النعت أورثه لذة وفرحا وأبتهاجا وسرورا ولم يجد خشوعا ولا ذلة فينسب ذلك الفرح للظاهر في المظهر لا من حيث هو ظاهر فهو سرور بكمال وأثره في المظهر من حيث ما هو مظهر فهو محجوب عن ذاته بربه في حال صحوه وظهوره وحضوره وأثباته وبقائه وترك الخشوع لمن ليست هذه حالته مذموم مطرود
الباب الثاني عشر ومائة في مخالفة النفس
خالف هواك فانه محمود . . . وأعلم بانك وحدك المقصود
الكل يسعد غير من هو مثله . . . فلتلق سمعك لي وانت شهيد
انت العزيز فذق وبال صفاته . . . يوم القيامة والانام شهود
أعلم أيدك الله ان مخالفة النفس هو الموت الأحمر وهو حال شاق عليها وهي المخالفة نفسها فالمخالف عين المخالف وهذا سن أعجب الأمور أعني وجود المشقة نعم لو كان المخالف نفسا أخرى لم يكن التعجب من حصول المشقة في ذلك ونحن بحمد الله حيث قلنا بمخالفتها ولم نقل تخالف بالمقابل فقد يكون الخلاف بما ليس بمقابل فيجمع بين وجود الخلاف وبين المساعدة وسيأتي في الباب الذي بعد هذا الباب وفائدة المخالفة عظيمة وأعلم انه لا يخالف النفس ألا في ثلاثة مواطن في المباح والمكروه والمحظور لا غير وأما إذا وقعت لها لذة في طاعة مخصوصة وعمل مقرب فهنالك علة خفية يخالفها بطاعة أخرى وعمل مقرب فان أستوى عندها جميع التصرفات في فنون الطاعات سلمنا لها تلك اللذة بتلك الطاعة الخاصة وان وجدت المشقة في العمل المقرب الآخر الذي هو خلاف هذا العمل فالعدول إلى الشاق واجب لانها ان أعتادت المساعدة في مثل هذا أثرت في المساعدة في المحظور والمكروه والمباح وانما صعب على النفس المخالفة لكريم أصلها وعلو منصبها فان النيابة الألهية في العالم لها فتقول في نفسها بيدي أزمة الأمر وملاكه ولا سيما وقد خلقني الله تعالى على الصورة فمخالفتي مخالفة الحق من هذا المقام يكون لها المخالفة موتا أحمر وحجبت هذه النفس عن الأتساع الألهي وعما خلقت له وعن العلم بان الصورة ليست لكل نفس وانما هي للنفس الكاملة كنفوس الانبياء ومن كمل من الناس فلو كملت هذه النفس ما كانت المخالفة لها موتا أحمر فان لذة العرفان تعطيها الحياة التي لا موت فيها فالوجود والفتح مقرونان بمخالفتها في كل شيء ينبغي ان تخالف فيه فافهم
الباب الثالث عشر ومائة في معرفة مساعدة النفس في أغراضها
ساعد النفس انها نفس الح . . . ق ونعت له فأين تغيب
انظر الحق في الوجود تراه . . . عينه فالبغيض فيه الحبيب
ليس عيني سواه ان كنت تدري . . . فهو عين البعيد وهو القريب
صفحة ١٩١