الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
فاحكم به تكن به . . . موفقا مسددا الجوع حلية أهل الله وأعني بذلك جوع العادة وهو الموت الأبيض فان أهل الله جعلوا في طريقهم أربع موتات هذا أحدها وموت أخضر وهو لباس المرتفعات إلا المشهرات كان لعمر بن الخطاب ثوب يلبسه فيه ثلاث عشرة رقعة أحداهن قطعة جلد وهو أمير المؤمنين وموت أسود وهو تحمل الأذى وموت أحمر وهو مخالفة النفس في أغراضها وهو لأهل الملمية فالجوع المطلوب في الطريق هو للسالكين جوع اختيار لتقليل فضول الطبع ولطلب السكون عن الحركة إلى الحاجة فان علا فلطلب الصفة الصمدية وحده عندنا صوميوم فان زاد فإلى لسحر هذا هو الجوع المشروع الاختياري وما لنا طريق إلا الله إلا على الوجه المشروع ولولا ان الله جعل هذا حد المصلحة في عموم خلقه لما وقته إلى هذا القدر فلا يكون الانسان في الزيادة عليه أعلم بمصالح الجوع في العبد من ربه هذا غاية سوء الأدب فان كان ممن يطعم ويسقى في مبيته وفنائه ويجد أثر ذلك في قوته وصحة عقله وحفظ مزاجه فليواصل ما شاء فانه ليس بصاحب جوع وكلامنا في الجوع وان كان أيضا ممن يستغرقه حال ووارد قوى يحول بينه وبين الطعام كأبي عقال فان كان صاحب فائدة فهي المطلوب وان لم يكن فذلك مرض يعرض حاله على الأطباء وما ذلك مطلب القوم وأما جوع الأكابر فجوع اضطرار فان الذي ينتجه الجوع قد حصل لهم ملكة لا تزول عنهم في حال جوع ولا شبع فلم يبق إلا التقليل ولكن من الحلال أما للنشاط في الطاعات وأما لخفة الحساب فان النبي صلى الله عليه وسلم قال انكم لتسئلون عن نعيم هذا اليوم ولم يكن سوى تمر وماء وما أدخل نفسه في الجماعة فان لله عباد سليمانين يقول الله لهم ' هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ' وهم سبعون ألفا في هذه الأمة قد نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم والخبر صحيح وعكاشة منهم بالنص عليه فينبغي للصالح السالك ان لا يزيد على الحد المشروع فيكون متبعا فان ترك العمل بالأتباع أعظم أجرا من العمل بالإبتداع فانا بالإتباع بحكم الأصل فان وجودنا تبع لوجود من أوجدنا فلتكن أفعال العلماء بهذه المرتبة على ذلك ولما قال صلى الله عليه وسلم ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فسدوا مجاريه بالجوع والعطش لم يختلف أحد من العلماء ولا من أهل الله انه أراد الصوم والتقليل من الطعام في السحور المسنون لمن واصل وفي الإفطار لمن أفطر فانه قال بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فلا يتعدى مريد الحد الذي سنه من شرع الطريق إلى الله به ولا تعرف قدر ما دللتك عليه إلا في نتيجته ان فتح لك هنا ولا تجع من غير صوم فانه غير طريق مشروع ولا تجعل سبب ذلك حديث أجر الصوم فذلك ليس لك انما هو العمل ودع النفس ترغب في الأجر التي لها على ذلك فان فيها من يطلب ذلك وانت بالسر الإلهي والروح الأمري بمعزل عن هذا الطلب الذي تطلبه النفس الحيوانية فانك مجموع ولا تلحق بأهل الغلط من أهل هذه الطريق الذي يجوعونه تلامذتهم من غير صوم أو يصومونهم ثم يطعمونهم قبل غروب الشمس ذلك غلط منهم وجهل بطريق الله تعالى وان كانوا يقصدون بذلك مخالفة النفوس فما هذا موضعه وانما ينبغي ان يخالفوها في تعيين المأكول على حد مخصوص ووجه معين وميزان مستقيم يعرفه أهل الله فإذا مالت إلى طعام خاص معين عندها حتى لا تكره شيأ من نعم الله ولقد عملت على النفس ان تشرع في الشئ ثم يحال بينها وبين التملي منه والله الموفق لا رب غيره
الباب السابع ومائة في ترك الجوع
الجوع بئس ضجيع العبد جاءبه . . . لفظ النبي فلا ترفع به رأسا
قد أدرك القوم في تعيينه غلط . . . ولم يقيموا له وزنا وقسطاسا
من قال ما الجوع لم يعرف حقيقته . . . وقد أضل بما قد قاله الناسا
جوع العوائد محمود ولست أرى . . . فيما أراه من استعماله بأسا
جوع الطبيعة مذموم وليس يرى . . . فيه المحقق بالرحمن ايناسا ترك الجوع عند القوم ليس الشبع وانما هو اعطاء النفس حقها من الغذاء الذي جعل الله به صلاح مزاجها وقوام بنيتها فإذا أحس صاحب هذه الحالة بالجوع فذلك جوع العادة خرج أبو بكر البزار في مسنده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجوع ويقول أنه بئس الضجيع ولا يذم حال يعطي الفوائد فدل انه لا فائدة في مثل هذا الجوع وان الفوائد فيما أظهر الشرع ميزانه من ذلك فترك الجوع عبادة وطريق مواصلة إلى الله وبهذا فضل سليمان على أبي الدرداء وشهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لنفسك عليك حقا ولعينك عليك حقا ولزورك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فقم ونم وصم وأفطر وأعط كل ذي حق حقه فإنك لا تدخل على الحق أبدا ولا حد عليك حق وأعظم الحقوق حق الله ثم حق نفسك انتهى الجزء السابع والتسعون بانتهاء السفر الثالث عشر والحمد لله .
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثامن ومائة في معرفة الفتنة والشهوة وصحبة الأحداث والنسوان
وأخذ الأرفاق منهن ومتى يأخذ المريد الأرفاق
صفحة ١٨٥