الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
من لا يكيف يأبى النوم يحصره . . . بالكيف والكم للتحديد بالعبر اعلم أيدك الله ان النوم حالة تنقل العبد من مشاهدة عالم الحس إلى شهود عالم البرزخ وهو أكمل العالم فلا أكمل منه هو أصل مصدر العالمله الوجود الحقيقي والتحكم في الأمور كلها يجسد المعاني ويرد ما ليس قائما بنفسه قائما بنفسه وما لا صورة له يجعل صورة ويرد المحال ممكنا ويتصرف في الأمور كيف يشاء فإذا كان له هذا الإطلاق وهو خلق مخلوق لله فما ظنك بالخالق سبحانه الذي خلقه وأعطاه هذه القوة فكيف تريد ان تحكم على الله بالتقيد وتقول ان الله غير قادر على المحال وانت تشهد من نفسك قدرة الخيال على المحال والخيال خلق من خلق الله ولا تشك فيما تراه من المعاني التي جسدها لك وأراها أياك أشخاصا قائمة فكذلك يأتي الله بأعمال بني آدم مع كونها أعراضا صورا قائمة توضع في الموازين لأقامة القسط ويؤتي بالموت مع كونه نسبة فوق العرض في البعد عن التجسد في صورة كبش أملح يريدانه في غاية الوضوح لهذا وصفه بالملحة وهي البياض فيعرفه جميع الناس فهذا محال مقدور فأين حكم العقل على الله وفساد تأويله وكذلك نعيم الجنان في فواكهه لا مقطوعة ولا ممنوعة فيتأوله من لا علم له بحمله على فصول السنة ان الفاكهة تنقضي بانقضاء زمانها ثم تعود في السنة الأخرى وفاكهة الجنة دائمة التكوين لا تنقطع هذا مبلغ علمهم في هذه المسئلة وهي عندنا كما قال الله ' لا مقطوعة ولا ممنوعة ' فان الله جاعل لنا فيها رزقا يسمى قطفاوتناولا كما جعل الله لعالم الجن في العظام رزقا وما نرى ينقص من العظم شيء ونحن بلا شك نأكل من فاكهة الجنة قطفا دانيا مع كون الثمرة في موضعها من الشجرة ما زال عينها لانها دار بقاء لما يتكون فيها فهي دار تكوين لا دار أعدام وكذلك سوق الجنة تدخل في أي صورة سئنا من صور السوق مع كوننا على صور تنالا ينكرنا أحد من أهلنا ولا من معارفنا ونحن نعلم ان قد لبسنا صورة جديدة تكوينية مع بقائنا على صورتنا فأين العقول والمعقول هنا
لا يعرف الله ألا الله فأعتبروا . . . ما عقل عين كعقل قلد الفكرا
ولما نزه الله نفسه عن صفة النوم فقال ' لاتأخذه سنة ولا نوم ' أي ما يغيبه شهود البرازخ عن شهود عالم الحس عن شهود المعاني الخارجة عن المواد في حال عدم حصولها في البرزخ وتحت حكمه وقد يمنح الله بعض عباده بهذا الأدراك مع كونه لا يتصف بانه لا ينام أعني في حالة الدنيا ونشأتها وأما في الآخرة فانه لا ينام أهل الجنة في الجنة ولا يغيب عنهم شيء من العالم بل عالم على مرتبته مشهود لهم مع كونهم غير متصفين بالنوم يقال نام فلان فرأى كذا أي رأى مقلوبه وهو مان أي كذب في عرف العادة فان العلم ما هو لبن والقران ما هو عسل ولكن هكذا تراه فإذا كملت رأيته علما في حضرة المعاني في حال رؤيتك إياه لبنا في حضرة البرزخ وهو هو لا غيره فتحقق ما أعلمناك به فقد أرحناك بما ذكرناه راحة الأبد وقد عرفناك بالأله المعرفة المطلوبة منا وإذا تحققت ما أومانا إليه في هذا الباب علمت جميع ما جاء به الشرع في المتاب والسنة قديما حديثا من النعوت الألهية التي تردها العقول ببراهينها القاصرة عن هذا الأدراك فمعرفة وجود الحق مدرك العقول من حيث ما هي مفكرة وصاحبة دلالات ومعرفة ما هوالحق عليه في نفسه هو ما أعطاه الوجود لكل أدراك في عالمه فما ثم ألا حق ومصيب فسبحان من طور الأطوار وجعل في اليوم حقيقة الليل والنهار وانزل الأحكام وشرخها على التفصيل لا على الأجمال والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والنوم من أحكام الطبيعة في مولدات العناصر خاصة والنشأة الآخرة ليست من مولدات العناصر بل هي من مولدات الطبيعة فلذلك لا تنام ولا تقبل النوم كالملائكة وما علا عن العناصر ونشأة الانسان في الآخرة على غير مثال كما كانت نشأته في الدنيا على غير مثال فما ظهر قبله من هو على صورته ولهذا جاء كما بدأ كم يعني على غير مثال تعودون على غير مثال يعني في نشأة الآخرة وقال ' ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ' انها كانت على غير مثال سبق فأشحذ فؤادك ووفر زادك فانك راحل عن نشأة انت فيها وما انت فيها
الباب الموفي مائة في مقام الخوف
خف الله يا مسكين ان كنت مؤمنا . . . إذا جاء سلطان المنازع في الأمر فان جنحوا للسلم فأجنح لها تنل . . . بها رتب العلياء في عالم الأمر
وما قلته بل قاله الله معلما . . . كما جاء في القران في محكم الذكر
أعلم أيدك الله وعصمك ان الخوف مقام الألهيين له الاسم الله لانه متناقص الحكم فانه يخاف من الحجاب ويخاف من رفع الحجاب أما خوفه من الحجاب فلما فيه من الجهل بما هو حجاب عنه وأما خوفه من رفع الحجاب فلذهاب عينه عند رفعه فتزول الفائدة والألتذاذ بالجمال المطلق آية المحجوب قوله تعالى ' كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ' في معرض الذم وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم في الحجب لو كشفها أو لو رفعها ' لأحرقت سبحات وجهه ماأدركه بصره من خلقه ' وما أشبه هذا المقام يقول القائل
صفحة ١٨٠