الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
فلتعتبر أحكام أصل كتابها . . . فلربما غص اللعين بريقه اعلم ان أصول أحكام الشرع المتفق عليها ثلاث الكتاب والسنة المتواترة والاجماع واختلف العلماء في القياس فمن قائل بانه دليل وانه من أصول الأحكام ومن قائل بمنعه وبه أقول قال الله تعالى ' واتقوا الله ويعلمكم الله ' وقال ' ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ' وقال ' اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ' ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم مثل قوله في عبده خضر ' أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ' فجعل إعطاءه العلم عبده من رحمته والتقوى عمل مشروع لنا فلا بد ان تكون التقوى نسبة حكمه إلى الدليل من هذه الأدلة أو إلى كلها في أي مسئلة يلزمنا فيها تقوى الله قال الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة وهما الأصلان الفاعلان والاجماع والقياس انما يثبتان وتصح دلالتهما بالكتاب والسنة فهما أصلان في الحكم منفعلان فظهرت عن هذه الأربع الحقائق نشأة الأحكام المشروعة التي بالعمل بها تكون السعادة فان الموجودات ظهرت عن أربع حقائق إلهية وهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والأجسام ظهرت عن أربع حقائق عن حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة والمولدات ظهرت عن أربعة أركان نار وهواء وماء وتراب وجسم الانسان والحيوان ظهر عن أربعة أخلاط صفرا وسودا ودم وبلغم فالحرارة والبرودة فاعلان والرطوبة واليبوسة منفعلتان فاعلم ولما كان من لا يؤمن بالشرائع المنزلة يشاركنا بالرياضة والمجاهدة وتخليص النفس من حكم الطبيعة يظهر عليه الأتصال بالأرواح الطاهرة الزكية ويظهر حكم ذلك الأتصال عليه مثل ما يظهر من المؤمنين العاملين منا بالشرائع المنزلة بما وقع من التشبيه والأشتراك فيما ذكرناه عند عامة الناس ونطقنا بالعلوم التي يعطيها كشف الرياضة وأمداد الأرواح العلوية وانتقش في هذه النفوس الفاضلة جميع ما في العالم فنطقوا بالغيوب قال الجنيد علمنا هذا وان وقع فيه الأشتراك بيننا وبين العقلاء فأصل رياضتنا ومجاهدتنا وأعمالنا التي أعطتنا هذه العلوم والآثار الظاهرة علينا انما كان من عملنا على الكتاب والسنة فهذا معنى قوله علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة وتتميز يوم القيامة عن أؤلئك بهذا القدر فانهم ليس لهم في الألهيات ذوق فان فيضهم روحاني وفيضنا روحاني وألهي لكوننا سلكنا على طريقة ألهية تسمى شريعة فأوصلتنا إلى المشرع وهو الله تعالى لانه جعلها طريقا إليه فاعلم ذلك ولما كان شرع الله وحكمه في حركات الانسان المكلف لا يؤخذ ألا من القران كذلك لم توجد ألا بالمتكلم به وهو الله تعالى فقال للشيء كن فكان فالقران أقوى دليل يستند إليه أو ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قام الدليل على صدقه انه مخبر عن الله جميع ما شرعه في عبيد الله وقد يكون ذلك الخبر أما بأجماع من الصحابة وهو الأجماع أو من بعضهم بنقل العدل عن العدل وهو خبر الواحد وبأي طريق وصل إلينا فنحن متعبدون بالعمل به بلا خلاف بين علماء الأسلام ولهذا يقول أهل الأصول في الأجماع انه لا بد ان يستند إلى نص وان لم ينطق به وأما القياس فمختلف في أتخاذه دليلا وأصلا فان له وجها في المعقول ففي مواضع تظهر قوة الأخذ به على تركه وفي مواضع لا يظهر ذلك ومع هذا فما هو دليل مقطوع به فأشبه خبر الآحاد فان الأتفاق على الأخذ به مع كونه لا يفيد العلم وهو أصل من أصول أثبات الأحكام فليكن القياس مثله إذا كان جليا لا يرتاب فيه وعندنا وان لم نقل به في حقي فاني أجيز الحكم به لمن أداه أجتهاده إلى أثباته أخطأ في ذلك أو أصاب فان الشارع أثبت حكم المجتهد وان أخطأ وانه مأجور فلولا ان المجتهد أستند إلى دليل في أثبات القياس من كتاب أو سنة أو أجماع أو من كل أصل منها لما حل له ان يحكم به بل ربما يكون في حكم النظر عند المنصف القياس الجلي أقوى في الدلالة على الحكم من خبر الواحد الصحيح فانا انما نأخذه بحسن الظن برواته ولا نزكيه علما على الله فان الشرع منعنا ان نزكي على الله أحدا ولنقل أظنه كذا وأحسبه كذا والقياس الجلي يشاركنا فيه النظر الصحيح العقلي وقد كنا أثبتنا بالنظر العقلي الذي أمرنا به شرعا في قوله أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة وفي القران من مثل هذا كثير فقد أعتبر الشارع حكم النظر العقلي في اثبات وجود الله أولا وهو الركن الأعظم ثم اعتبره في توحيده في ألوهته فكلفنا النظر في انه لا إله إلا الله بعقولنا ثم نظر بالدليل العقلي ما يجب لهذا الإله من الأحكام ثم نظرنا بالنظر العقلي الذي أمرنا به في تصديق ما جاء به هذا الرسول من عنده إذ كان بشرا مثلنا فنظرنا بالعقول في آياته وما نصبه دليلا على صدقه فاثبتناه وهذه كلها أصول لو انهد ركن منها بطلت الشرائع ومستند ثبوتها النظر العقلي واعتبره الشرع وأمر به عباده والقياس نظر عقلي أترى الحق يبيحه في هذه المهمات والأركان العظيمة ويحجزه علينا في مسئلة فرعية ما وجدنا لها ذكرا في كتاب ولا سنة ولا اجماع ونحن نقطع انه لا بد فيها من حكم إلهي مشروع وقد انسدت الطرق فلجانا إلى الأصل وهو النظر العقلي واتخذنا قواعد اثبات هذا الأصل كتاب وسنة فنظرنا في ذلك فأثبتنا القياس أصلا من أصول أدلة الأحكام بهذا القدر من النظر العقلي حيث كان له حكم في الأصول فقسنا مسكوتا عنه على منطوق به لعلة معقولة لا يبعد ان تكون مقصودة للشارع تجمع بينها في مواضع الضرورة إذا لم نجد فيه نصا معينا فهذا مذهبنا في هذه المسئلة وكل من خطأ عندي مثبت القياس أصلا أو خطا مجتهدا في فرع كان أو في أصل فقد أساء الأدب على الشارع حيث أثبت حكمه والشارع لا يثبت الباطل فلا بد ان يكون حقا ويكون نسبة الخطا إلى ذلك نسبة انه خطا دليل المخالف الذي لم يصح عند المجتهد ان يكون ذلك دليلا والمخطئ في الشرع واحد لا بعينه فلا بد من الأخذ بقوله ومن قوله اثبات القياس فقد أمر الشارع بالأخذ به وان كان خطأ في نفس الأمر فقد تعبده به فان للشارع ان يتعبد بما شاء عباده وهذه طريقة انفردنا بها في علمنا مع انا لا نقول بالقياس بالنظر إلينا ونقول به بالنظر لمن أداه إليه اجتهاده لكون الشارع أثبته فلو انصف المخالف لسكت عن النزاع في هذه المسئلة فانها أوضح من ان ينازع فيها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ثم نبين في هذا الباب ما يتعلق بأصول الأحكام عند علماء الإسلام كما عملنا في العبادات وكان الأولى تقديم هذا الباب في أول العبادات قبل الشروع فيها ولكن هكذا وقع فانا ما قصدنا هذا الترتيب عن اختيار ولو كان عن نظر فكري لم يكن هذا موضوعه في ترتيب الحكمة فاشبه آية قوله ' حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ' بين آيات طلاق ونكاح وعدة وفاة يتقدمها ويتأخرها فيعطي الظاهر ان ذلك ليس موضعها وقد جعل الله ذلك موضعها لعلمه بما ينبغي في الأشياء فان الحكيم من يعمل ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي وان جهلنا نحن صورة ما ينبغي في ذلك فالله تعالى رتب على يدنا هذا الترتيب فتركناه ولم ندخل فيه برأينا ولا بعقولنا فالله يملي على القلوب بالإلهام جميع ما يسطره العالم في الوجود فان العالم كتاب مسطور إلهي وإذا تعارض آيتان أو خبران صحيحان وأمكن الجمع بينهما واستعمالهما معا فلا نعدل عن استعمالهما فان لم يكن استعمالهما معا بحيث ان يكون بأحدهما استثناء فيجب ان يؤخذ بالذي فيه استثناء وان كان في أحدهما زيادة أخذت الزيادة وعمل بها فان لم يوجد شئ من ذلك وتعارضا من جميع الوجوه فينظر إلى التاريخ فيؤخذ بالمتأخر منهما فان جهل التاريخ وعسر العلم به فلينظر إلى أقربهما إلى رفع الحرج في الدين فيعمل به لانه يعضده ما عليكم في الدين من حرج ودين الله يسر ويريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فدعوه فان تساويا في رفع الحرج فلا يسقطان وتكون مخيرا فيهما تعمل بأي الخبرين شئت أو الآيتين وإذا تعارض آية وخبر صحيح من جميع الوجوه من أخبار الآحاد وجهل التاريخ أخذ بالآية وتركنا الخبر فان الآية مقطوع بها وخبر الواحد مظنون فان كان الخبر متواترا كالآية وجهل التاريخ ولم يمكن الجمع بينهما كان الحكم التخيير فيهما ألا ان يكون أحدهما فيه رفع الحرج فيقدم الاخذ به وكل خبرين أو آيتين تعارضا أو آية وخبر صحيح متواتر أو غير متواتر وفي أحدهما زياة حكم قبلت الزيادة وعمل بها وترجع الأخذ بحديث الزيادة على معارضه ولا يؤخذ من الحديث ألا ما صح فان كان المكلف مقلدا أو بلغ إليه حديث ضعيف مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عارضه قول أمام من الأئمة أو صاحب لا يعرف دليل ذلك القول فيأخذ بالحديث الضعيف ويترك ذلك القول فان قصاراه ان يكون في درجة ذلك القول ان كان الحديث في نفس الأمر ليس بصحيح ولا يعدل عن الحديث وأما إذا صح الحديث وعارضه قول صاحب أو أمام فلا سبيل إلى العدول عن الحديث ويترك قول ذلك الامام والصاحب للخبر فان كان الخبر مرسلا أو موقوفا فلا يعول عليه ألا إذا علم من التابع انه لا يرسل الحديث ألا عن صاحب لا غير وان لم يعين ذلك الصاحب فيؤخذ بالمرسل فانه في حكم المسند وهو ان يقول التابع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يذكر الصاحب الذي عنه رواه ويعلم انه ممن أدرك الصحابة وصحبهم وهو ثقة في دينه ويعلم منه انه ممن لا يرى الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في المصالح فان علم منه ذلك لم يؤخذ بحديثه ولو أسنده ولا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو أمام ومن يفعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا وخرج عن دين الله وإذا ورد الخبر عن قوم مستورين لم يتكلم فيهم بجرح ولا تعديل وجب الأخذ به ألا شارب الخمر إذا حدث في حال سكره فان علم انه حدث في حال صحوه وهو ممن هذه صفته أخذ بقوله والأسلام العدالة والجرحة طارئة وإذا ثبتت على حد ما قلناه ترك الأخذ بحديث صاحب تلك الجرحة ولا فرق بين الأخذ بخير الواحد الصحيح وبين المتوتر ألا ان تعارضا كما قلناه وما أوجب الله علينا الأخذ بقول أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كوننا مأمورين بتعظيمهم ومحبتهم وأما النسخ فلا أقول به على حد ما يقولون به فانه عندنا انتهاء مدة الحكم في علم الله فإذا انتهى فجائز ان يأتي حكم آخر من قران أو سنة فان سمى مثل هذا نسخا قلنا به وإذا كان الأمر على هذا فيجوز نسخ القران بالقران وبالسنة فان السنة مبينة لانه عليه السلام مأمور بانه يبين للناس ما نزل إليهم وان يحكم بما أراه الله لا بما أرته نفسه فانه لا يتبع ألا ما يوحي إليه سواء كان ذلك قرانا أو غير قران ويجوز نسخ السنة بالقران والسنة وإذا ورد نص من آية أو خبر لا يجوز الوقوف عن الأخذ بذلك القران أو الخبر حتى يرى هل له معارض أم لا بل يعمل بما وصل إليه فان عثر بعد ذلك على خبر أو آية ناسخ أو مخصص أو معمم للمتقدم كان بحكم ما وصل إليه بشروطه وهو ان يبحث عن التاريخ فان الخاص قد يتقدم على العام كما يتقدم العام على الخاص والأصل ان الحكم للمتأخر وإذا وردت الآية أو الخبر بلفظ ما من اللسان فالأصل ان يؤخذ بما هو عليه في لغة العرب فان أطلقه الشارع على غير المفهوم من اللسان كأسم الصلاة وأسم الوضوء وأسم الحج وأسم الزكاة صار الأصل ما فسره به الشارع وقرره فإذا ورد بعد ذلك خبر بذلك اللفظ حمل على ما فسره به الشارع ولم يحمل على ما هو عليه في اللسان حتى يرد من الرسول في ذلك اللفظ انه به ما هو عليه في اللسان فيعدل عند ذلك إليه في ذلك الخبر على التعيين وأوامر الشرع كلها محمولة على الوجوب ونواهيه محمولة على الحظر ما لم يقترن بالأمر قرينة حال تخرجه عن الوجوب إلى الندب أو الأباحة وكذلك النهي ان أقترنت به قرينة تخرجه من الحظر إلى الكراهة فان تعرى الأمر عن قرينة الندب أو الأباحة تعين الوجوب وكذلك النهي وقد يرد الأمر الألهي أو النبوي على النهى برفع التحجير خاصة لا لوجوب فعل المأمور به والأجماع أجماع الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا غير وما عدا عصرهم فليس بأجماع يحكم به وصورة الأجماع ان يعلم ان المسئلة قد بلغت لكل واحد من الصحابة فقال فيها بذلك الحكم الذي قال به الآخر إلى ان لم يبق منهم أحد ألا وقد وصل إليه ذلك الأمر وقال فيه بذلك الحكم فان نقل عن واحد خلاف في ذلك فليس بأجماع أو نقل عنه سكوت فليس بأجماع وإذا وقع خلاف في شيء وجب رد الحكم فيه إلى الكتاب والخبر النبوي فانه خيرو أحسن تأويلا ولا يجوز ان يدان الله بالرأي وهو القول بغير حجة ولا برهان لا من كتاب ولا من سنة ولا من أجماع وان كنا لا نقول بالقياس فلا نخطئ مثبته إذا كانت العلة الجامعة معقولة جلية يغلب على الظن انها مقصودة للشارع وانما أمتنعنا نحن من الأخذ بالقياس لانه زيادة في الحكم وفهمنا من الشارع انه يريد التخفيف عن هذه الأمة وكان يقول أتركوني ما تركتكم وكان يكره المسائل خوفا ان ينزل عليهم في ذلك حكم فلا يقومون به كقيام رمضان والحج في كل سنة وغير ذلك فلما رأيناه على ذلك منعنا القياس في الذين فان النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر به ولا أمر به الحق تعالى فتعين علينا تركه فانه مما يكرهه صلى الله عليه وسلم وحكم الأصل ان لا تكليف وان الله خلق لنا ما في الأرض جميعا فمن أدعى التحجير علينا فعليه بالدليل من كتاب أو سنة أو أجماع وأما القياس فلا أقول به ولا أقلد فيه جملة واحدة وأما أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فليست على الوجوب فان في ذلك غاية الحرج ألا فعل بين به أمرا تعبدنا به فذلك الفعل واجب مثل قوله صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وأفعال الحج ولولا نطقه في ذلك في بعض الأفعال لم يكن يلزمنا ذلك الفعل فانه بشر يتحرك كما يتحرك البشر ويرضى كما يرضى البشر ويغضب كما يغضب البشر فلا يلزمنا أتباعه في أفعاله ألا ان أمر بذلك وتعين عليه ان لا يفعل فعلا سرا بحيث لا يراه أحد كما تعين عليه فيما أمر بتبليغه ان لا يتكلم به وحده بحيث لا يسمعه أحد حتى ينقله إلى من لم يسمعه وأما شرع من قبلنا فما يلزمنا أتباعه ألا ما قرر شرعنا منه مع كون ذلك شرعا حقا لمن خوطب به لا نقول فيه بالباطل بل نؤمن بالله ورسوله وما انزل إليه وما انزل من قبله من كتاب وشرع منزل والتقليد في دين الله لا يجوز عندنا لا تقليد حي ولا ميت ويتعين على السائل إذا سأل العالم ان يقول له أريد حكم الله أو حكم رسوله في هذه المسئلة فان قال له المسئول هذا حكم الله في المسئلة أو حكم رسوله تعين عليه الأخذ بها فان المسئول هنا ناقل حكم الله وحكم رسوله الذي أمرنا بالأخذ به فان قال هذا رأيي أو هذا حكم رأيته أو ما عندي في هذه المسئلة حكم منطوق به ولكن القياس يعطي ان يكون الحكم فيه مثل الحكم في المسئلة الفلانية المنطوق بحكمها لم يجز للسائل ان يأخذ بقوله ويبحث عن أهل الذكر فيسألهم على صفة ما قلنا ويتعين على كل مسلم ان لا يسأل إلا أهل الذكر وهم أهل القران قال تعالى ' انا نحن نزلنا الذكر ' وأهل الحديث فان علم السائل ان هذا المسئول صاحب رأى وقياس فيتركه ويسأل صاحب الحديث فان كان المسئول صاحب رأي وقياس وحديث فيسأله فإذا أفتاه تعين عليه ان يقول له هذا الحكم رأى أو قياس أو عن حديث فان قال عن رأي أو قياس تركه وان قال عن خبر أخذ به ولا حكم للخطأ والنسيان إلا حيث جاء في قران أو ستة ان يكون لهما حكم فيعمل به مثل صلاة النسي وقتل الخطأ وكل مسكوت عنه فلا حكم فيه إلا اإباحة الأصلية وخطاب الشرع متوجه على الاسماء والأحوال لا على الأعيان فلا يكون حكم الفرض إلا على من حاله قبول الفرض من أمر ونهي في عمل أو ترك فكل من عجز عن شئ من ذلك مما كلفه الله به بل ما هو مخاطب به ان الله ما كلف نفسا إلا وسعها وإلاما آتاها سيجعل الله بعد العسر يسرا وكل عمل مقيد بوقت موسعا كان أو مضيقا فلا يجوز عمله إلا في وقته لا قبله ولا بعده فان ذلك حد الله المشروع فيه فلا يتعدى وحكم الاجتهاد في الأصول والفروع واحد والحق في الفروع حيث قرره الشرع وقد قرر حكم المجتهدين ولا يقرر إلا ما هو حق فكله حق وأما نسبة الخطأ إلى المجتهد الذي له أجر واحد فهو كونه لم يعثر على حكم الله أو حكم رسوله في تلك المسئلة وقد تعبده الله بما انتهى إليه اجتهاده فلو لم يكن حقا عند الله بالنظر إليه لما تعبده به فان الله لا يقرر الباطل فإذا وصل إليه بعد ذلك حكم الله تعالى أو رسوله في تلك المسئلة بما يخالف دليله وعلم ان ذلك الحكم متأخر عن حكم دليله وجب عليه الرجوع عن ذلك الحكم الأول ولا يحل له البقاء عليه ولهذا كان من علم مالك بن انس ودينه وورعه انه إذا سئل عن مسئلة في دين الله يقول نزلت فان قيل له نعم أفتى وان قيل لم تنزل لم يفت وسببه ما ذكرنا لان المصيب للحكم المعين في تلك المسئلة واحد لا بعينه والمخطئ واحد لا بعينه ولهذا قالت العلماء كل مجتهد مصيب فإما مصيب للحكم الإلهي فيها على التعيين أو مصيب للحكم المقرر الذي أثبته الله له إذا لم يعثر على ذلك الحكم المعين وأخطأه وهذا القدر كاف في أصول أحكام الشرع في هذا الكتاب لانه لا يحتمل الاستقصاء وأما أسرار أصول أحكام الشرع المتفق عليها والمختلف فيها فان سر الكتاب هو ما يكون من الله للعبد بترك الوسائط كما قال كتب في قلوبهم الايمان فهم كتاب الله وهو قول الشارع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقوله استفت قلبك وان أفتاك المفتون والكتابة ضمن المعاني الإلهية بما يليق بجلاله من نسبة أسماء الله الحسنى إلى المعاني التي لنا من التخلق بتلك الاسماء أي بمعانيها أو تكون أخلاقا لنا لا تخلقا وهي نسبتها إلينا على ما يليق بنا فهو الرؤوف الرحيم وقد قال في رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين رؤف رحيم وهذا مدح وسمى نفسه بالعزيز الكريم وقد قال في بعض عباده ' ذق انك انت العزيز الكريم ' وهو ذم وكلها أسماء الله وأسماء الخلق ومدلولاتها معقولة المعنى بآثار الكريم ان يعطي وقد وجد العطاء من الله ومن العبد على وجهة الانعام فان انضم المعنى إلى المعنى من وجه فقد افترقا من وجه لان الموصوف المسمى لا يشبه الموصوف المسمى الآخر فمن الوجه الذي يقع الاشتراك وهو الأثر من ذلك الوجه يكون كتابة لان الكتابة الضم وبضم الحروف بعضها إلى بعض سميت كتابة والكتيبة ضم الخيل بفرسانها بعضها إلى بعض فلو جاؤا متفرقين وحدانا ما سموا كتيبة فهو المؤمن وقد كتب في قلب عبده الايمان فأجب له ذلك الكتاب حكما سمى به مؤمنا وليس الاسم غير المسمى فهو الظاهر في عين الممكن والممكن له مظهر وكل ظاهر في مظهر فقد انضم الظاهر إلى المظهر وانضم المظهر إلى الظاهر ولذلك صح ان يكون مظهرا للظاهر فيه فهذا سر أصل الأخذ بالكتاب دليلا على ثبوت الحكم وأما سر السنة في اثبات الحكم فانه لما كان الرسول عليه السلام لا ينطق عن الهوى وان حكمه حكم الله وهو نافل عن الله ومبلغ عنه بما أراه الله والله على صراط مستقيم والسنة الطريقة والطريق لا يراد لنفسه وانما يراد لغايته فالسنة صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور لانهى صراطه وهو غاية صراطه فلا بد للسالك عليه من الوصول إليه فالصراط واسطة وبوساطة استعداد المظهر بما هو عليه في نفسه حكم على الظاهر بما سمى به فهو أعطاه ذلك الاسم وذلك الحكم صحيح فهذا صراط مستقيم فنحن إذا سألنا الحق في أمر يعن لنا كان أثر سؤالنا في الله الإجابة فسمى مجيبا فلولا سؤالنا ما ثبت هذا الحكم ولا أطلق عليه هذا الاسم ونحن طريقة له في ذلك قال تعالى ' أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ' فما أجابه حتى دعاه فهذا سر استدلاله بالسنة وأما الاجماع فهو ما أجمع عليه الرب والمربوب في ان الله خالق والعبد مخلوق وهكذا كل إضافةفلا خلاف بين الله وبين عباده في مسائل الأضافة أين ما وجدت وكذلك في المعلومات وأما القياس عند مثبتيه فهو ظهور رب بصفة عبد وظهور عبد بصفة رب عن أمر رب فان لم يكن عن أمر رب فلا يتخذ دليلا على حكم أو عن حميد خلق كريم فانه أيضا يتخذ دليلا وأما ظهور رب بصفة مربوب فلا يشترط فيه الأمر الواجب ولكن قد يكون عن دعاء وطلب وصفته صفة الأمر والمعنى مختلف وان كان هذا مسموعا ممتثلا والآخر كذلك ولكن بينما فرقان فهذا حكم سر القياس في الاستدلال وهو قياس الغائب على الشاهد لحكم معقول جامع بين الشاهد والغائب وينسب كل واحد من المنسوبين إليه بحسب ما يليق بجلاله وانما قلنا بجلاله لان الجليل من الأضداد يطلق على العظيم وعلى الحقير وقد انتهت أسرار أصول أحكام الشرع انتهى الجزء الرابع والتسعونسنى إلى المعاني التي لنا من التخلق بتلك الاسماء أي بمعانيها أو تكون أخلاقا لنا لا تخلقا وهي نسبتها إلينا على ما يليق بنا فهو الرؤوف الرحيم وقد قال في رسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين رؤف رحيم وهذا مدح وسمى نفسه بالعزيز الكريم وقد قال في بعض عباده ' ذق انك انت العزيز الكريم ' وهو ذم وكلها أسماء الله وأسماء الخلق ومدلولاتها معقولة المعنى بآثار الكريم ان يعطي وقد وجد العطاء من الله ومن العبد على وجهة الانعام فان انضم المعنى إلى المعنى من وجه فقد افترقا من وجه لان الموصوف المسمى لا يشبه الموصوف المسمى الآخر فمن الوجه الذي يقع الاشتراك وهو الأثر من ذلك الوجه يكون كتابة لان الكتابة الضم وبضم الحروف بعضها إلى بعض سميت كتابة والكتيبة ضم الخيل بفرسانها بعضها إلى بعض فلو جاؤا متفرقين وحدانا ما سموا كتيبة فهو المؤمن وقد كتب في قلب عبده الايمان فأجب له ذلك الكتاب حكما سمى به مؤمنا وليس الاسم غير المسمى فهو الظاهر في عين الممكن والممكن له مظهر وكل ظاهر في مظهر فقد انضم الظاهر إلى المظهر وانضم المظهر إلى الظاهر ولذلك صح ان يكون مظهرا للظاهر فيه فهذا سر أصل الأخذ بالكتاب دليلا على ثبوت الحكم وأما سر السنة في اثبات الحكم فانه لما كان الرسول عليه السلام لا ينطق عن الهوى وان حكمه حكم الله وهو نافل عن الله ومبلغ عنه بما أراه الله والله على صراط مستقيم والسنة الطريقة والطريق لا يراد لنفسه وانما يراد لغايته فالسنة صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور لانهى صراطه وهو غاية صراطه فلا بد للسالك عليه من الوصول إليه فالصراط واسطة وبوساطة استعداد المظهر بما هو عليه في نفسه حكم على الظاهر بما سمى به فهو أعطاه ذلك الاسم وذلك الحكم صحيح فهذا صراط مستقيم فنحن إذا سألنا الحق في أمر يعن لنا كان أثر سؤالنا في الله الإجابة فسمى مجيبا فلولا سؤالنا ما ثبت هذا الحكم ولا أطلق عليه هذا الاسم ونحن طريقة له في ذلك قال تعالى ' أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ' فما أجابه حتى دعاه فهذا سر استدلاله بالسنة وأما الاجماع فهو ما أجمع عليه الرب والمربوب في ان الله خالق والعبد مخلوق وهكذا كل إضافةفلا خلاف بين الله وبين عباده في مسائل الأضافة أين ما وجدت وكذلك في المعلومات وأما القياس عند مثبتيه فهو ظهور رب بصفة عبد وظهور عبد بصفة رب عن أمر رب فان لم يكن عن أمر رب فلا يتخذ دليلا على حكم أو عن حميد خلق كريم فانه أيضا يتخذ دليلا وأما ظهور رب بصفة مربوب فلا يشترط فيه الأمر الواجب ولكن قد يكون عن دعاء وطلب وصفته صفة الأمر والمعنى مختلف وان كان هذا مسموعا ممتثلا والآخر كذلك ولكن بينما فرقان فهذا حكم سر القياس في الاستدلال وهو قياس الغائب على الشاهد لحكم معقول جامع بين الشاهد والغائب وينسب كل واحد من المنسوبين إليه بحسب ما يليق بجلاله وانما قلنا بجلاله لان الجليل من الأضداد يطلق على العظيم وعلى الحقير وقد انتهت أسرار أصول أحكام الشرع انتهى الجزء الرابع والتسعون بسم الله الرحمن الرحيم
الباب التاسع والثمانون في معرفة النوافل على الإطلاق
ان النوافل ما يكون لعينها . . . أصل يشاهد في الفرائض كلها
فالفرض كاإجرام ان قابلتها . . . بالنور والنفل المزاد كظلها
بيد وبصورتها وليس فريضة . . . فيعود فرضا في الحساب كمثلها
جاء الحديث به فبين فضلها . . . شرعا وميز أصلها من أصلها
فإذا أتيت بهن فاعلم انه . . . ذخر الإله لكم نتيجة فعلها
صفحة ١٦٣