601

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

خرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى الثنية العليا تسمى كداء بالمد والفتح والهمز والثنية السفلى تسمى كدي بالضم والقصر لما كانت مكة أشرف بقاع الأرض وموطنا لظهور يمين الحق وحضرة المبايعة أشبهت كثيب المسك الأبيض في جنة عدن موطن الزور الأعظم والرؤية العامة والكثيب أشرف مكان في جنة عدن وعدن أشرف الجنان لأنها قصبة الجنة والقصبة حيث تكون دار الملك وهي دار تورث من قصدها الإمداد الإلهي والفتح في العلم الإلهي الذي تعطيه المشاهدة فلهذا شرع الدخول إلى مكة من كداء بفتح الكاف للفتح الإلهي في كاف التكوين من قوله كن والمد للإمداد الإلهي بالعطاء من العلم به الذي هو أشرف هبة يعطيها من قصده ، والمد في هذه الألفاظ زيادة ، ومكة موضع المزيد في كل خير لأنه فرع عن الأصل لأن الأصل في الكون الفقر والقصور والعجز ولهذا يجوز في ضرورة الشعر قصر الممدود لأنه رجوع إلى الأصل ولا يجوز له مد المقصور لأنه خروج عن الأصل فلا يخرج إلا بموجب وما هو ثم فإن الموجب للمد المزاد في الحرف من الكلمة إنما هو الهمزة أولا كآ من وآخرا كجاء أو الحرف المشدد مثل الطامة والصاخة والدابة والتشديد هو تضعيف الحرف والتضعيف زيادة لأنه دخول حرف في حرف وهو الإدغام فهو ظهور عبد بصفة رب فكان له المزيد وأخذ المد إذ لم يكن له ذلك بالأصل وكذلك ظهور رب بصفة عبد في تنزل إلهي فهو من باب الإدغام تشريف للعبد من الله وكل لنفسه سعى فأما السعي في حق العبد فمعلوم محقق لافتقاره وأما الهرولة في السعي المنسوبة إلى الله فصفة تطلب الشدة في الطلب أكثر من طلب الساعي بغير صفة الهرولة فدل على أن الطلب هناك أشد لأجل تعطيل حكم ما تقتضيه الأسماء الإلهية ولهذا يقول في تجليه هل من تائب فأتوب عليه فهو سؤال من الاسم التواب هل من داع فأجيبه فهذا لسان الاسم المجيب هل من مستغفر فأغفر له هذا لسان الاسم الغفور لأنه إن لم يكن في الكون من يستدعي هذا الاسم وإلا بقي معطل الحكم فلهذا كان سعيه هرولة وطلبه أشد لأنه لا يليق به النقص والعبد كله نقص وضعف فليس له لضعه شدة السرعة في السعي لأنه يفتقر إلى المعين بقوله وإياك نستعين وأما إذا خرج خرج من كدي بضم الكاف والقصر وهو ما اكتسبه في حضرة الحق من الرفعة وجار في كاف التكوين وهو المقول عندنا الفعل بالهمة فلهذا رفع الكاف قال الحق لأبي يزيد أخرج إلى خلقي بصفتي فمن رآك رآني وهو ظهور صفات الربوبية عليه ألا ترى خلفاء الحق في العباد لهم الأمر والنهي والحكم والتحكم وهذه صفات الإله والسوقة مأمورة بالسمع والطاعة وأعطاه القصر في كدى ينبهه وإن كنت خرجت بصفتي فلا تحجبنك عن عبوديتك فالقصر والعجز لا يفارقك فإنك مهما فارقك ذلك قصمتك فخرج حين خرج من مكة حضرة الله لرعيته رفيعا بشرف الحضرة مشاهدا لعبوديته بالقصر فلهذا كان يدخل من كداء ويخرج من كدي وهذا القدر في الحج كاف فإن فروعه تطول لو تقصيناها ما وفي بها العمر فما بقي الأفضل مكة والمدينة والزيارة تكون بذلك خاتمة الباب .

الحديث الثاني أرض مكة خير أرض الله

خرج النسائي عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول لمكة إنك والله لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم للقرآن فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما فإن كانوا في السلم سواء فأكبرهم سنا فمن اجتمع فيه مثل هذه الخصال صح له التقديم ومن صح له التقدم كان متبوعا وكان أحق بالله من التابع والبيت المكي أول بيت وضع للناس معبدا والصلاة فيه أفضل من الصلاة فيما سواه فهو أقدمهم بالزمان وهو اعتبار السن فله تقدم السن وما يتقدم بالسن إلا من حوى جميع الفضائل كلها فإنه جاء آخرا فلو اكتفينا بهذا لكان فيه غنى عن ذكر ما سواه وإن نظرنا إلى الهجرة فإنه بيت مقصود ينبغي الهجرة إليه والحجر الأسود من جملة أحجاره وهو أقدم الأحجار هجرة من سائر الأحجار هاجر من الجنة إليه فشرفه الله باليمين وجعله للمبايعة وأما أكثرهم قرآنا فإنه أجمع للخيرات من سائر البيوت لما فيه من الآيات البينات من حجر وملتزم ومستجار ومقام إبراهيم وزمزم إلى غير ذلك وأما علمه بالسنة فإن السنن فيه أكثر لكثرة مناسكه واحتوائه على أفعال وتروك لا تكون في غيره من العبادات ولا في بيت من البيوت فإنه نحل الحج وأما السلم فإنه أقدم الحرم فهو سلم كله من دخله كان آمنا فصح له التقدم من كل وجه على كل بلد وكل بيت .

صفحة ٨٩٦