الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
إذا الحمل الثقيل تقسمته . . . رقاب الخلق خف على الرقاب ألا ترى الله تعالى يقول ' واعتصموا بحبل الله جميعا ' وقال في الواحد ' ومن يعتصم بالله ' وقال ' تعاونوا على البر والتقوى ' فيعتصم به الواحد والجماعة ولما ذكر الحبل أمر الجماعة بالاعتصام به حتى يهون عليهم ثم إنه مع كونهم جماعة قد يشق عليهم لشدته وقد تضعف الجماعة عنه فأعانهم بنفسه وما ذكر من نفسه إلا ما يعلم أنه الموصوف بالقدرة منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يد الله مع الجماعة فيستعينون به ويعينهم بكون يد الله معهم على الاعتصام بحبل الله وهو عهده ودينه المشروع فينا الذي لا يتمكن لكل واحد منا على الانفراد الوفاء به فيحصل بالمجموع لاختلاف أحوال المخاطبين ولا يكون إلا هكذا فلهذا اعتبره صلى الله عليه وسلم تنبيها له فقال له ألقه هذا اعتباره الذي يحتاج إليه ولاسيما المحرم فإنه محجور عليه فزاد بالحبل احتجارا على احتجار فكأ ، ه قال له يكفيك ما أنت عليه من الاحتجار فلا تزد فما كان أرفقه بأمته صلى الله عليه وسلم وإنما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهميان للمحرم لأن نفقته فيه الذي أمره الله أن يتزود بها إذا أراد الحج فقال ' وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ' فالتقوى ههنا ما يتخذه الحاج من الزاد ليقي به وجهه من السؤال ويتفرغ لعبادة ربه وليس هذا هو التقوى المعروف ولهذا ألحقه بقوله عقيب ذلك ' واتقوني يا أولي الألباب ' فأوصاه أيضا مع تقوى الزاد بالتقوى فيه وهو أن لا يكون إلا من وجه طيب ولما كان الهميان محلا له وظرفا ووعاء وهو مأمور به في الاستصحاب رخص له في الاحتزام به فإنه من الحزم أن تكون نفقة الرجل صحبته فإن ذلك أبعد من الآفات التي يمكن أن تطرأ عليه فتتلفه ذكر أبو أحمد بن عدي الجرجاني من حديث ابن عباس قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهميان للمحرم وإن كان هذا الحديث لا يصح عند أهل الحديث وهو صحيح عند أهل الكشف .
حديث تاسع عشر في الإحرام من المسجد الأقصى
خرج أبو داود من حديث أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ' من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة ' في إسناده مقال المناسبة المسجد يناقض الرفعة فهو بعيد منها وهو سبب في حصولها قال عليه السلام من تواضع لله رفعه الله والأقصى البعيد والحرام المحجور فهو بعد في قرب لمن هو فيه فالأقصى بالنسبة إلى المسجد هو بعيد مما خوطب به ممن هو في المسجد الحرام وهم أهل مكة وما أقصى من أهله بل هو الأقرب وهو أيضا قصي من الأولية لأن البيت الذي هو الكعبة قد حاز الأولية وبين الأقصى وبينه أربعون سنة وهو حد زمان التيه لقوم موسى عن دخول المسجد الأقصى لما كان في عين القرب وهو مرتبة الأولية التي للمسجد الحرام فأبوا نصرة نبيه موسى وقالوا له اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون فقال لهم إني تارككم تائهين في هذه القعدة أربعين سنة لا تستطيعون دخول بيت المقدس كما لم يكن ظهوره للعبادة بعد المسجد الحرام إلا بعد أربعين سنة وما بقي معهم موسى عليه السلام في التيه إلا لكونه رسولا إليهم فبقوا حيارى لا هم في عين القرب من الأولية ولا حصل لهم غرضهم في دخول بيت المقدس وما أخذهم الله إلا بظاهر قولهم إنا ههنا قاعدون فاحذر أن تكون من قوم موسى الذي صفتهم هذا بل كن من قوم موسى الذين هم أمة يقضون بالحق وبه يعدلون كذلك مقام النبوة من مقام الولادة بينهما من التوقيت الزماني أربعون سنة فما بعث نبي إلا من أربعين سنة فإنه غاية استحكام العقل وقوة سلطانه وابتداء ضعف الطبيعة ثم يمشي بحكمه فيما بقي من عمره في وفور من عقله ونقص من طبيعته فمن أحرم من المقام إلا بعد يطلب المقام الأقرب وكلاهما معبد كان المحرم برزخا بينهما وكان المعبدان طرفيه فما لم يصل إليه هو ما تأخر من ذنبه وما تقدم عنه هو ما تقدم من ذنبه فيغفر له ما بين المسجدين والغفر الستر فوجبت له الجنة لأنها ستر عن النار لمن دخل فيها وذاته ستر على نار شهواته فباطن الجنة نار محرقة لأن الشهوة من الإنسان متحكمة فيها وهي نار طبيعته بلا شك فمازال العبد السعيد مكتنفا بالستر في التقدم أن لا تصيبه عقوبة الذنب وفي التأخر اكتنف بستر الحفظ والعصمة أن لا يصيبه الذنب فهو ممن وجبت له الجنة إذا كان هذا حكمه فهو مستور في كنف الله فهو في الجنة وإن كان في الدنيا .
حديث عشرون في التنعيم أنه ميقات أهل مكة
صفحة ٨٨٣