الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
فمن قائل إن صاماه وقع وأجزأهما ومن قائل إنه لا يجزيهما وإن الواجب عليهما عدة من أيام أخر والذي أذهب إليه أنهما إن صاماه فإن ذلك لا يجزيهما وإن الواجب عليهما أيام أخر غير أني أفرق بين المريض والمسافر إذا أوقعا الصوم في هذه الحالة في شهر رمضان فأما المريض فيكون الصوم له نفلا وهو عمل بر وليس بواجب عليه ولو أوجبه على نفسه فإنه لا يجب عليه وأما المسافر لا يكون صومه في السفر في شهر رمضان ولا في غيره عمل بر وإذا لم يكن عمل بر كان كمن لم يعمل شيأ وهو أدنى درجاته أو يكون على ضد البرب ونقيضه وهو الفجور ولا أقول بذلك إلا أني أنفي عنه أن يكون في عمل بر في ذلك الفعل في تلك الحال والله أعلم الاعتبار السالك هو المسافر في المقامات بالأسماء الإلهية فلا يحكم عليه الاسم الإلهي رمضان بالصوم الواجب ولا غير الواجب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر واسم رمضان يطلبه بتنفيذ الحكم فيه إلى انقضاء شهر سلطانه والسفر يحكم عليه بالانتقال الذي هو عدم الثبوت على الحال الواحدة فبطل حكم الاسم الإلهي رمضان في حق المسافر الصائم ومن قال إنه يجزيه جعل سفره في قطع أيام الشهر وجعل الحكم فيه الاسم رمضان فجمع بين السفر والصوم وأما حكم انتقاله المسمى سفرا فإنه ينتقل من صوم إلى فطر ومن فطر إلى صوم وحكم رمضان لا يفارقه ولهذا شرع صيامه وقيامه ثم جواز الوصال فيه أيضا مع انتقاله من ليل إلى نهار ومن نهار إلى ليل وحكم رمضان منسحب عليه ولهذا أجزأ المسافر صوم رمضان وأما المريض فحكمه غير حكم المسافر في الاعتبار فإن العلماء أجمعوا على أن المريض إن صام رمضان في حال مرضه أجزأه والمسافر ليس كذلك عندهم فضعف استدلالهم بالآية فاعتباره أن المرض يضاد الصحة والمطلوب من الصوم صحته والضدان لا يجتمعان فلا يصح المرض والصوم واعتبرناه في شهر رمضان دون غيره لأنه واجب بإيجاب الله ابتداء فالذي أوجبه هو الذي رفعه عن المريض فلا يصح أن يرجع ما ليس بواجب من الله واجبا من الله في حال كونه ليس بواجب .
وصل في فصل من يقول إن صوم المسافر والمريض يجزيهما في شهر رمضان فهل
الفطر لهما أفضل أم الصوم
فمن قائل إن الصوم أفضل ومن قائل إن الفطر أفضل ومن قائل إنه على التخيير فليس أحدهما بأفضل من الآخر الاعتبار من اعتبر أن الصوم لا مثل له وأنه صفة للحق قال إنه أفضل ومن اعتبر أنه عبادة فهو صفة ذلة وافتقار فهو بالعبد أليق قال إن الفطر أفضل ولاسيما للسالك والمريض فإنهما محتاجان إلى القوة ومنبعها الفطر عادة فالفطر أفضل ومن اعتبر أن الصوم من الاسم الإلهي رمضان وإن الفطر من الاسم الإلهي الفاطر وقال لا تفاضل في الأسماء الإلهية بما هي أسماء للإله تعالى قال ليس أحد الأسمين بأفضل من الآخر لأن المفطر في حكم الفاطر والصائم في حكم الرفيع الدرجات وحكم الممسك وحكم اسم رمضان وهذا مذهب المحققين رفع الشريف والأشرف والوضيع والشريف الذي في مقابلته من العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله تعالى .
وصل في فصل هل الفطر الجائز للمسافر هل هو في سفر محدود أو غير محدود
فمن قائل إنه يفطر في السفر الذي يقصر فيه الصلاة وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسئلة ومن قائل إنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم سفر وبه أقول الاعتبار في ذلك المسافرون إلى الله وهو الاسم الجامع وهو الغاية المطلوبة والأسماء الإلهية في الطريق إليه كالمنازل للمسافرين ومنازل القمر المقدرة لسير القمر في الطريق إلى غاية مقصوده وأقل السفر الانتقال من اسم إلى اسم فإن وجد الله في أول قدم من سفره كان حكمه بحسب ذلك وقد انطلق عليه أنه مسافر وليس لأكثره عندنا نهاية ولا حد لقوله صلى الله عليه وسلم في دعئاه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك فهذا اعتبار من قال يفطر فيما ينطلق عليه اسم سفر ومن قال بالتحديد في ذلك فاعتباره بحسب ما حدد فمن اعتبر الثلاثة في ذلك كان كمن قال الأحدية أو الواحد لا حكم له في العدد وإنما العدد من الاثنين فصاعدا والسفر هنا إلى الاسم الله ولا سفر إليه إلا به فأول ما يلقاه من كونه مسافرا إليه في الفردية وهي الثلاثة أول الأفراد فهذا هو السفر المحدود ثم يؤخذ الاعتبار في تحديد العلماء تقصير الصلاة في باب الصلاة من هذا الكتاب وإنا قد ذكرناه في صلاة القصر من هذا الكتاب .
وصل في فصل المرض الذي يجوز فيه الفطر
صفحة ٧٣٨