الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الإصدار
الأولى
سنة النشر
1418هـ- 1998م
مكان النشر
لبنان
أجمع العلماء على زكاة الأوقاص في الماشية وعلى أنه لا أوقاص في الحبوب واختلفوا في أوقاص الذهب والورق وبترك الزكاة في أوقاص الذهب والورق أقول فإن إلحاقهما بالحبوب أولى من إلحاقهما بالماشية فإن الحيوان مجاور للنيات والنبات مجاور لللمعدن فالحاقة في الحكم بالمجاور أحق فإن الجار أحق بصقبه وصل في اعتبار هذا الكمال لا يقبل النقص والزكاة نقص من المال ولهذا لما كمل الحيوان بالإنسانية لم يكن فيه زكاة فإن الأشياء ما خلقت إلا لطلب الكمال فلا كامل إلا الإنسان وأكمل المعادن الذهب ولهذا لا يقبل النقص بالنار مثل ما يقبله سائر المعادن فإن قلت فالفضة قد نزلت عن درجة الكمال فهي ناقصة فوجبت الزكاة في أوقاصها قلنا قد أشركها الحق في الزكاة إذا بلغت النصاب في الذهب ولم يفعل ذلك في سائر المعادن فلولا أن بينهما مناسبة قوية لما وقع الاشتراك في الحكم فليكن في الأوقاص كذلك فإن ققلت إن الزكاة نقص من المال ومن بلغ الكمال لا ينقص والذهب قد بلغ الكمال والزكاة فيه إذا بلغ النصاب وهو ذهب في النصاب وذهب في الأوقاص مازال عنه حكم الكمال قلنا كذلك أقول هكذا كان ينبغي لو جرينا على هذا الأصل لكن عارضنا أصل آخر إلهي وهو التبدل والتحول في الصور عند التجلي الإلهي واختلاف النسب والاعتبارات على الجناب الإلهي والعين واحدة والنسب مختلفة فهي العالمة من كذا والقادرة والخالقة من كذا فالحق سبحانه ما فرض الزكاة في أعيان المزكي من كونها أعيانا بل من كونها على الخصوص أموالا في هذه الأعيان خاصة لا في كل ما ينطلق عليه اسم مال فاعتبرنا لما جاء الحكم بالزكاة فيهما إذا بلغا النصاب المالية وما اعتبرنا أعيانهما واعتبرنا في الأوقاص أعيانهما لا المالية فرفعنا الزكاة فيهما كما اعتبرنا في تحول التجليات الاعتقادات والمرتبة وما اعتبرنا الذات واعتبرنا في التنزيه الذات وما اعتبرنا المرتبة ولا الاعتقادات فلما كان أصل الوجود وهو الحق تعالى يقبل الاعتبارات سرت تلك الحقيقة في بعض الموجودات بل في الموجودات مطلقا فاعتبرنا فيها وجودها مختلفة تارة لأمور عقلية وتارة لأمور شرعية ألا ترى الرقيق وهو إنسان وله الكمال إذا اعتبرنا فيه المالية أو اعتبارنا أيضا في المشترى له التجارة قومناه عليه بالقيمة وأنزلناه منزلة ما يزكى من المال فأخرجنا من قيمته الزكاة ألا ترى كمالية الحق لا تقبل وصفا من نعوت المحدثات فلما تجلت في حضرة التمثل للأبصار المقيدة بالحس المشترك تبعت الأحكام هذا التجلي الخاص فقال تعالى ' جعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني ومرضت فلم تعدني ' ولما وقع النظر فيه من حيث رفع النسب قال ' ليس كمثله شيء ' وقال ' والله الغني عن العالمين ' فمن كان غنيا عن الدلالة عليه كان هو الدليل على نفسه لشدة وضوحه فإنه لا شيء أشد في الدلالة من الشيء على نفسه وقد نبهتك على أن الأحكام تتبع الاعتبارات والنسب وبعد أن وقع الحكم من الشارع في أمر ما بما حكم به عليها فلا بد لنا أن ننظر ما اعتبر فيه حتى حكم عليه بذلك الحكم وبهذا يفضل العالم على الجاهل فإذا تقرر هذا فاعلم أن البلوغ بالسن أو الإنبات أو الحلم للعقل هو كالنصاب في المال فكما أن النصاب إذا وجد في المال وجبت الزكاة فيه كذلك يجب التكليف على العاقل إذا بلغ ثم بعد أوان البلوغ يستحكم عقله لمرور الأزمان عليه كما يزيد المال بالتجارة فتظهر الأوقاص فمن لم يجد في استحكام عقله أن الله هو الفاعل مطلقا وأن العبد لا أثر له في الفعل وجبت عليه الزكاة في الأوقاص والزكاة حق الله في المال فنضيف إلى الله من أعماله ما ينبغي أن يضيف وهنا رجلان منهم من يضيف إلى الله ما يضيفه على جهة الحقيقة ويضيف إلى نفسه من أعماله ما يضيف على جهة الأدب كقوله فأردت أن أعيبها وكقوله فأراد ربك أن يبلغا أشدهما وكقول الخليل ' وإذا مرضت فهو يشفيني ' وكقوله ' ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ' ومنهم من يضيف ذلك العمل كله إلى الإنسان عقلا وشرعا كالمعتزلي ويضيف إى الله من ذلك خلق القدرة له في هذا العامل لا غير وأما من لا يرى الأفعال في استحكام عقله إلا من الله ولا أثر للعبد فيها لم ير الزكاة في الأوقاص لأنه ما ثم ما يرد إلى الله فإنه علم أن الكل لله كما قال شيبان الراعي لما سئل عن الزكاة فقال لابن حنبل وللشافعي وهما كانا السائلين على مذهبنا أو على مذهبكم إن كان على مذهبنا فالكل لله لا نملك شيأ وإن كان على مذهبكم ففي كل أربعين شاة من الغنم شاة فاعتبر شيبان أمرا ما فأوجب الزكاة واعتبر أمرا آخر فلم يوجب الزكاة والمال هو المال بعينه .
وصل في فصل ضم الورق إلى الذهب
فمن قائل نضم الدراهم إلى الدنانير فإذا كان من مجموعهما النصاب وجبت الزكاة ومن قائل لا يضم فضة إلى ذهب ولا ذهب إلى فضة وبه أقول الاعتبار في ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ' إن لعينك عليك حقا ولنفسك عليك حقا فكل ونم ' وإن كان الإنسان هو الجامع لعينه ونفسه الحيوانية ولكن جعل الله لكل واحد ممنهما حقا يخصه فحق العين هنا النوم وحق النفس النباتية التغذي وهو الأكل فلا يضم شيء إلى شيء فإن النوم ما يقوم مقام الأكل ولا الأكل يقوم مقام النوم فلا يضم شيء إلى شيء والذي يرى ضم الشيء إلى الشيء يرى ضم النوم إلى الأكل فإن الأكل سبب في حصول النوم لما يتولد منه من الأبخرة المرطبة التي يكون بها النوم فتنال العين حقها والنفس حقها فلا بأس بضم الذهب إلى الفضة لحصول الحق من ذلك المجموع .
صفحة ٧١٧