429

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

فمن ذلك قوله تعالى ' وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ' وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ' فانظر يا أخر كيف جعل هويته خلفا من نفقتك وإنك أحييت من تصدقت عليه فأحياك الله به حياة أبدية لأنه إن لم يكن الحق حياتك فلا حياة فإن قلت لو كان ذلك النصب الياء ورفع اللام قلنا الهوية عين الذات والهوية تخلف الشيء المتصدق به باسم إلهي تكون به حياة ذلك المنفق وأسماؤه ليست غيره ولكن هكذا تقع العبارة عنها لما يعقل في ذلك من اختلاف النسب وكلامنا في هذه المعاني إنما هو مع أصحابنا الذين قد علموا ما نقول ونشير به إليهم على ما تقرر عندنا في الاصطلاح في ذلك فالأجنبي لا يقبل اعتراضه ألا ترى الملك يقول اللهم أعط منفقا خلفا مع أنه وعد بالخلف ووعده صدق والإنفاق هنا من الهلاك والإتلاف أي أتلف ما كان عنده عنه ولا خلاء فاجعل مكانه ما يناسب أثره فيمن أتلف من أجله فله أجر من أحيا ألا ترى الآخر يقول اللهم أعط ممسكا تلفا لأن الملائكة لسان خير فيقول هذا الملك اللهم أعط ممسكا ما أعطيت المنفق حتى يتلف ماله مثل صاحبه فكأنه يقول اللهم ارزق الممسك الإنفاق حتى ينفق فإن كنت لم تقدر في سابق علمك أن ينفقه باختياره فأتلف ماله حتى تأجره فيه أجر المصاب فتصيب خيرا وأنت قد قلت ' ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض طوعا وكرها ' فهذا قد تلف ماله كرها فأعد عليه ثوابا ممن وجد به راحة وإن لم يقصدها هذا الذي رزىء في ماله بالتلف فهذا دعاء له بالخير لا ما ظنه من لا معرفة له بمراتب الملائكة فإن الملك لا يدعو بشر ولا سيما في حق المؤمن بوجوده فكيف بتوحيده فكيف بما جاء من عنده ولا شك أن دعاء الملك مجاب لوجهين الواحد لطهارته والثاني أنه دعاء في حق الغير فهو دعاء لصاحب المال بلسان لم يعصه به وهو لسان الملك إذ هذا موجود في لسان بني آدم مع كونهم عصاة الألسنة ولكن قال الله تعالى لموسى عليه السلام ادعني بلسان لم تعصني به فقال وما هو قال دعاء أخيك لك ودعاؤك له فإن كل واحد منكما ما عصاني بلسان غيره الذي دعاني به في حقه فما دعاني له إلا بلسان طاهر وأضاف الدعاء إليه لأن الداعي نائب عن المدعو له ولسان الداعي ما عصى الله به المدعو له ومن ذلك أيضا ما خرجه مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قال لي أنفق أنفق عليك فقد أخبر الله تعالى إن إنفاقك جعل الحق ينفق عليك فهذا من أثر الصدقة في النسبة الإلهية ومن ذلك ما ذكره الترمذي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة تطفىء غضب الرب وتدفع عن ميتة السوء وهو حديث حسن غريب فهذا من أثر الصدقة الدفع وإطفاء نار الغضب فإن الله يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله على الوجه الذي يليق بجلاله فإن الغضب الذي خاطبنا به معلوم بلا شك ولكن نسبته إلى الله مجهولة لا إن الغضب مجهول أو يحمل على ما ينتجه في الغاضب أو يحمل على معنى آخر لا نعلمه نحن إذ لو كان ذلك لخوطبنا بما لا نفهم فلا يكون له أثر فينا ولا يكون موعظة فإن المقصود الإقهام بما نعلم ولكن إنما جهلنا النسبة خاصة لجلنا بالمنسوب إليه لا بالمنسوب فاعلم ذلك ولقد جرى لبعض شيوخنا من أهل الموازنة بالمغرب الأقصى إن السلطان رفع إليه في حقه أمور يجب قتله بها فأمر بإحضاره مقيدا وينادي في الناس أن يحضروا بأجمعهم حتى يسألهم عنه وكان الناس فيه على كلمة واحدة في قتله والقول بما يوجب ذلك وزندقته فمر الشيخ في طريقه برجل ببيع خبزا فقال له أقرضني نصف قرصة فأقرضه فتصدق بها على شخص عابر ثم حمل وأجلس في ذلك الجمع الأعظم والحاكم قد عزم عليه أن شهد فيه الناس بما ذكر عنه أنه يقتله شر قتلة وكان الحاكم من أبغض الناس فيه فقال يا أهل مراكش هذا فلان ما تقولون فيه فنطق الكل بلسان واحد إنه عدل رضي فتعجب الحاكم فقال له الشيخ لا تعجب فما هي هذه المسئلة بعيدة أي غضب أعظم غضبك أو غضب الله وغضب النار قال غضب الله وغضب النار قال وأي وقاية أعظم وزنا وقدر نصف قرصة أو نصف تمرة قال نصف قرصة قال دفعت غضبك وغضب هذا الجمع بنصف رغيف لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ' اتقوا النار ولو بشق تمرة وقال إن الصدقة لتطفىء غضب الرب وتدفع ميتة السوء ' وقد فعل الله ذلك دفع عني شركم وميتة السوء بنصف رغيف مع حقارتكم وعظم صدقتي فإن صدقتي أعظم من شق تمرة وغضبكم أقل من غضب النار وغضب الرب فتعجب الحاضرون من قوة إيمانه وأسوأ المونات أن يموت الإنسان على حالة تؤديه إلى الشقاء ولا يغضب الله الأعلى شقي فانظر إلى أثر الصدقة كيف أثرت في الغضب الرباني وفي أسوأ الموتات وفي سلطان جهنم فالمتصدق على نفسه عند الغضب ليس إلا بأن يملكها عند ذلك فإن ملكه إياها عند الغضب صدقة عليها من حيث لا يشعر | قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب فإن الغضب نار محرقة فهذا من صدقة الإنسان على نفسه ثم إن الله قد ذكر إنه لا يغفر لمشرك ومع هذا فإن الله يهون عليه بقدر ما أنفق وقد ذكر أبو داود عن عائشة قالت يا رسول الله أين عبد الله بن جدعان قال في النار قال فاشتد عليها فقال يا عائشة ما الذي اشتد عليك قالت كان يطعم الطعام ويصل الرحم قال أما أنه يهون عليه بما تقولين فيه أنه يخفف عنه بمجرد ما يذكر به من مكارم الأخلاق وقال البخاري في صحيحه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الكلمة الطيبة صدقة وكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وغير ذلك من الأذكار والأفعال التي تقتضيها مكارم الأخلاق ولقد ذكر مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دينار أنفقته في سبيل الله دينار أنفقته في رقبة دينار تصدقت به على مسكين دينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك . |

وصل في فصل من أنفق مما يحبه

قال الله عز وجل لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وكان عبد الله بن عمر يشتري السكر ويتصدق به ويقول إني أحبه عملا بهذه الآية وأحب ما للإنسان نفسه فإن أنفقها في سبيل الله نال بذلك ما في موازنتها فإنه من استهلك شيأ فعليه قيمته والحق قد استهلك نفس هذا العبد فإنه أمرك بإنفاق ما تحب وما لها قيمة عنده إلا الجنة ولهذا إذا لم تجد شيأ وجدت الله فإنه لا يوجد إلا عند عدم الأشياء التي يركن إليها ونفس الإنسان هي عين الأشياء كلها وقد هلكت فقيمتها ما ذكرناه فانظر إلى فضل الصدقة ما أعلاه .

وصل في فصل الإعلان بالصدقة

صفحة ٦٩٣