264

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

الناشر

دار إحياء التراث العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

1418هـ- 1998م

مكان النشر

لبنان

اتفق العلماء بالشريعة على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه المحال الثلاثة وعندنا كل ما يزيل عينها فهو مزيل من تراب وحجر ومائع ويعتبر اللون في بقاء عينها إن كانت ذات لون يدركه البصر ولا يعتبر بقاء الرائحة مع ذهاب العين لعلم عندنا آخر وصل الاعتبار في ذلك إن العلم الذي أنتجته التقوى في قوله تعالى ' واتقوا الله ويعلمكم الله وقوله ' إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ' فذلك العلم هو المزيل المطهر هذه المحال الثلاثة التي ذكرناها وهي في الباطن الصفات والقلوب والأحوال التي قلنا أنها الثياب والأبدان والمساجد واتفق العلماء أيضا أن الحجارة تزيلها من المخرجين وهو المعبر عنه في الشرع بالاستجمار ولا سح عندي الاستجمار بحجر واحد فإنه نقيض ما سمي به الاستجمار فإن الجمرة الجماعة وأقل الجماعة اثنان والاعتبار هنا في محل الاتفاق إن الحجارة لما أوقع الله النسبة بينها وبين القلوب في أمور منها ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو شد قسوة والقسوة مما ينبغي أن يتطهر منها كانت ما كانت فإنها من نجاسات القلوب المأخوذ بها والمعفو عنها وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وهي من القلوب العلوم الغزيرة الواسعة المحيطة بأكثر المعلومات وتفجرها خروجها عن ألسنة العلماء للتعليم في الفنون المختلفة وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء وهي القلوب التي تغلب عليها الأحوال فتخرج في الظاهر على ألسنة أصحابها بقدر ما يشقق منها وبقدر العلم الذي فيها فينتفع بها الناس وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله وهبوط القلوب المشبهة بالحجارة في هبوطها هو نزولها من عزتها إلى عبوديتها ونظرها في عجزها وقصورها بالأصالة وقد قلنا إن الماء هو المطهر المزيل للنجاسات من هذه المحال فالأحجار التي هي مناابع هذا الماء حكمها في إزالة النجاسة من المخرجين حكم ما خرج منها وهو العلم في الاعتبار كما أن الخشية مما يتطهر بها فإن الخشية من خصائص العلماء بالله المرضيين عنهم المطلوب منهم الرضى عن الله قال تعالى ' إنما يخشى الله من عباده العلماء ' وقال ' رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ' والعلم طاهر مطهر ولا سيما العلم الذي هو تنتجه التقوى فإن غيره من العلوم وإن كان طاهرا مطهرا فما هو في القوة مثل هذا العلم الذي نشير إليه فالخشية المنعوت بها الأحجار هي التي أدتها إلى الهبوط وهو التواضع من الرفعة التي أعطاها الله فإنه لما وصفها بالهبوط علمنا أن الأحجا رالتي في الجبال يريدوا الجبال الأوتاد التي سكن الله بها ميد الأرض فلما جعلها أوتادا أورثها ذلك فخر العلو منصبها فنزلت هذه الأحجار هابطة من خشية الله لما سمعت الله يقول تكل الدار الآخرة نجعلها للذينن لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين والإرادة من صفات القلوب فنزلت من علوها وإن كان بربها هابطة من خشية الله حذرا أن لا يكون لها حظ في الدار الآخرة التي تنتقل إليها وأعني بالدار الآخرة هنا دار سعادتها فإن في الآخرة منزل شقاوة وسعادة فكانت لهذا طاهرة مطهرة وأما اختصاص تطهيرها المخرجين واعتبر المخرجين اللذين هما مخرج الكثيف وهو الرجيع واللطيف وهو البول فاعلم أن للحق سبحانه فى القلوب تجليين التجلى الأول في الكثائف وهو تجليه في الصور التى تدركها الأبصار والخيال مثل رؤية الحق في النوم فأراه في صورة تشبه الصور المدركة بالحس وقد قال ليس كمثله شيء فيزيل هذا العلم من قلبك تقيد الحق بهذه الصور التي تجلى لك فيها في حال نومك أو في حال تخيلك في عبادتك إذ قال لك رسوله صلى الله عليه وسلم عنه تعالى لا عن هواه فإنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى ' اعبد الله كأنك تراه ' فجاء بكان وهي تعطي الحقائق فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لمن قال أنا مؤمن حقا فما حقيقة إيمانك فقال كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا فأتى بكان والرؤية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' عرفت فالزم ' فشهد له بالمعرفة وهذا هو التجلي الآخر فإن تجلي الخيال ألطف من تجلي الحس بما لايتقارب ولهذا يسرع إليه التقلب من حال إلى حال كما هو باطن الإنسان هنا كذلك يكون ظاهره في النشأة الآخرة وقد ورد أن في الجنة سوقا لا يباع فيه ولا يشترى لكنه مجلى الصور فمن اشتهى صورة دخل فيها كالذى هو باطن الإنسان اليوم فإذا جعل العابد معبوده بحيث يراه كأنه أنزله من قلبه منزلة من يراه ببصره من غير أن يكون هناك صورة من خارج كما كانت في تجلي المنام فإذا حدده هذا التخيل والحق لا حد له سبحانه يتقيد به فطهره علم الخشية وهو الحجر الذي ذكرناه من تقييد الحدود فطهر القلب إنما هو بالخشية من مثل هذا التشبيه والتقيد إذ ليس كمثله شيء فهذا اعتبار اتفاق العلماء بأن الحجارة تطهر المخرجين واختلفوا فيما عدا ما ذكرناه من الاتفاق عليه من المائعات والجامدات التي تزيل النجاسات من المحال التي ذكرناها فمن قائل أن كل مائع وجامد في أي موضع كان إذا كان طاهرا فإنه يزيل عين النجاسة وبه أقول ومن قائل بالمنع على الاطلاق إلا ما وقع عليه الاتفاق من الماء والاستجمار وقد ذكرناهما . اليوم فإذا جعل العابد معبوده بحيث يراه كأنه أنزله من قلبه منزلة من يراه ببصره من غير أن يكون هناك صورة من خارج كما كانت في تجلي المنام فإذا حدده هذا التخيل والحق لا حد له سبحانه يتقيد به فطهره علم الخشية وهو الحجر الذي ذكرناه من تقييد الحدود فطهر القلب إنما هو بالخشية من مثل هذا التشبيه والتقيد إذ ليس كمثله شيء فهذا اعتبار اتفاق العلماء بأن الحجارة تطهر المخرجين واختلفوا فيما عدا ما ذكرناه من الاتفاق عليه من المائعات والجامدات التي تزيل النجاسات من المحال التي ذكرناها فمن قائل أن كل مائع وجامد في أي موضع كان إذا كان طاهرا فإنه يزيل عين النجاسة وبه أقول ومن قائل بالمنع على الاطلاق إلا ما وقع عليه الاتفاق من الماء والاستجمار وقد ذكرناهما .

باب منه

اختلفوا في الاستجمار بالعظم والروث اليابس فمنع من ذلك قوم وأجازوا الاستجمار بغير ذلك مما ينقي واستثني من ذلك قوم ما هو مطعوم ذو حرمة كالخبز وقد جاء في العظم أنه طعام إخواننا من الجن واستثنت طائفة ان لايستجمر بما في استعماله سرف كالذهب والياقوت أما تقييدهم بأن في ذلك سرفا فليس بشيء فلو عللوه بأمر آخر يعقل كان أحسن ولكن ينبغي أن ينظر في مثل هذا فإن كان الذهب مسكوكا وعليه اسم الله أو اسم من الأسماء المجهولة عنده من طريق لسان أصحابها خوفا من أن يكون ذلك من أسماء الله بذلك اللسان أو يكون عليه صورة فيجتنب الاستجمار به لأجل هذا لا لكونه ذهبا ولا ياقوتا وقوم قصروا الإنقاء على الأحجار فقط وقوم أجازوا الاستجمار بالعظم دون الروث وإن كان مكروها عندهم ومن قائل بجواز الاستجمار بكل طاهر ونجس انفرد به الطبري دون الجماعة وصل في اعتبار ما ذكرناه في الباطن إذا صح الإنقاء من الأخلاق المذمومة والجهالات بأي شيء صح بخلق حسن أو بخلق آخر سفساف وبعلم شريف لشرف معلومة أو بعلم دون ذلك مما لا أثر له في المحل إلا الإنقاء جاز استعماله في إزالة هذه النجاسة وإلى هذا منزع الطبري فيما شذ فيه دون الجماعة ومن راعي في الإزالة ما يزال به لا ما يزال وتتبع الشرع وما فصله في ذلك المشرع فهو على حسب ما يفهم من الشارع في تفقهه في دين الله فإن فطر الناس مختلفة في الفهم عن الله وهو محل الاجتهاد فلا يزيل عين النجاسة إلا بالذي يغلب على فهمه من مقصود الشارع ما هو وهو الأولى وهذا يسري في الحكم الظاهر والباطن سواء فأغنى عن التفصيل .

صفحة ٤٧٦